تتربع قرية
وادعة في أرض ....وأنت تسير إليها وعيناك مشدودتان إلى الطريق تشعر بالحزن على هذا
التراب الطاهر يبدو لك أن الخير ينبعث من ذراته.
كحبات الفلفل المطحون تجد التراب.
لو أن الغيث يهطل ؟!!!!!
لو أن الماء يسيل؟!!!!!
كنت شاهدت جنان الخلد وجنات عدن التي أتى على ذكرها القرآن الكريم, لكن القلب يدمي
والعين تحزن لحال تلك الربا بعد أن صارت أثراً بعد عين .
تتبع قرية
الشيخ هلال لمنطقة السلمية، عدد سكانها حوالي 700 شخص وتبعد عن مدينة السلمية
حوالي 50 كم. يعمل أهلها في (الزراعة، الرعي،.....) يزحف التصحر إلى أراضيها كباقي
أراضي منطقة السلمية بالرغم من غناها وخصوبة أراضيها, قرية الشيخ هلال موغلة في
البادية السورية واعتبرت محمية في البادية مُنعت فيها الكثير من الزراعات مثل القمح
والشعير والزيتون التي كانت تستفيد من مجاري السيول، وهذا المنع يجعل أهلها يهاجرون
إلى مناطق أخرى طلباً للرزق.
سيارة واحدة تذهب إليها في الظهيرة وميكرو باص واحد أيضاً يقوم برحلة واحدة إلى
السلمية. يمكن الوصول إليها عن طريق ناحية السعن القريبة إليها .
وصلت في الظهيرة إلى بيت المختار القديم، الكل يعرفه بيت المختار، وهو شاب لديه ثلاثة أطفال.
ماذا يا أبي هل أوصلت النقلة ؟
هل قام أخوك بذلك ؟ وبما أن المختار مريض فمن يقود الجرار الذي يجر صهريج ماء؟ ولدان صغيران يقومان بهذه المهمة نيابة عن أبيهما لأنه مريض.
أحضرت أم
نايف شراب المتة, وبدأت تصب لنا المتة وأنا أسال أبو نايف وهو يجيب...
أبو نايف وأم نايف تعتقد أنهما كبار في السن لكنهما كبيرا القدر والقيمة والاحترام
وجه من وجوه القرية، الكبير والصغير يحترمهما ويقدرهما فليس العمر هو الأساس.
نعم يا سيد أبو نايف ما عندك؟ وبدأ بالكلام.
"يعود سبب
تسميتها بهذا الاسم كما هو شائع إلى شيخ يدعى هلال سميت على اسمه. عندما أتى إليها
سكانها كانت تدعى رسم الشيخ هلال, والرسم هو منزل البدو والمعروف أن التسمية تعود
لأكثر من 110 سنوات.
الشيخ هلال بلدة قديمة تضم عدد كبير من الآثار الرومانية, وإلى الشرق من وسط القرية
توجد قلعة أثرية رومانية وهناك أبرشية تحت الأرض مرصوفة بقطع الفسيفساء, وقد عين
صاحب المنزل المشيد فوقها حارساً عليها, وهناك الكثير من الآثار المتناثرة حول
القرية والتي تدل على قدمها وهناك العديد من الأقنية الرومانية وقد كانت تجري
المياه فيها من الينابيع التي كانت تغذيها واستمر هذا إلى بداية السبعينات حيث بدأ
شح المياه يظهر على القرية .
كانت غنية بأشجار التين والرمان والمشمش والكرمة وكانت تشتهر بزراعة القطن والقمح والشعير وحتى الكمون والعدس, وبعد شح المياه اختفت كل هذه الزراعات ولم يبق سوى القليل من الأشجار وقد تم التوجه إلى زراعة الزيتون في الآونة الأخيرة حيث زرع ما يقارب إلى 50 ألف شجرة حيث بدأت زراعة الزيتون في عام 1985 واعتمد عليها بشكل رئيسي .
أما تاريخ بناء القرية الجديدة فيعود لعام 1925 بسبب العمل بالزراعة لغزارة الأمطار, حيث كانت زراعة الحبوب رابحة والأرض معطاءة وخيرة. أتى إليها سكانها طلبا للرزق من مناطق مختلفة مثل القدموس, وجبل الشعرة والمريجة ومنطقة القدموس ومن سلمية وريفها. كان الخير يعم المنطقة وأتذكر حكاية لوالدي أن القمح كان أطول من الرجل, وأن الطارود ( وهو من يسبق الحواصيد ويكون في المقدمة ) من السرعة وطول القمح أصابه اختناق فاضطروا إلى رفعه أعلى من مستوى الزرع حتى يتنفس الهواء ويدل هذا على الخير الذي كان في المنطقة قبل شح المياه.
كان يقطن قرية الشيخ هلال ما بين عامي 1960 – 1975 حوالي 1500 نسمة أما الآن فيقطنها حوالي 600 – 700 نسمة فقط بسبب الهجرة إلى المدن مثل السلمية ودمشق طلباً للعمل والتعليم. وازداد تناقص عدد السكان ما بين 1993 – 1998 بسبب منع الدولة العمل في الزراعة واعتبار القرية من أراضي البادية, مما جعل الأهالي تبيع مواشيها. لأن المواشي كانت تعتمد على زراعة الشعير البعلي وكان غالبية السكان يعملون في تربية المواشي كالأغنام والماعز وهذا السبب الرئيسي للهجرة نحو المدينة .
كان السكان يعتمدون بشكل مباشرعلى تربية الأغنام والزراعة ويقومون بحصاد المحصول بالتعاون مع أولادهم بعد إغلاق المدارس مباشرةً، لتامين المؤنة لأغنامهم ويبيعون الفائض، وهذا كان يجعل كل أفراد الأسرة يداً عاملة ومنتجة حيث الطفل كان يعمل لان الأسرة تعمل لنفسها.
كان عدد مواشي الغنم بين عامي 1980 – 1990 يتراوح بين 12- 14 ألف وتناقص العدد إلى حوالي 700 فقط. أما السكان حالياً فيعتمدون على عمل الشباب في لبنان وعدد من الموظفين في دوائر الدولة في البادية وخصوصاً دوائر الزراعة وسدود المياه, وإلى جانب ذلك يوجد عدد من المزارع الصغيرة لزراعة الخضار الصيفية والشتوية لتأمين حاجات المنزل فقط.
كان جني المحصول يعتمد على الطرق القديمة في الحصاد بالمنجل وينقل إلى البيادر بالطنابر والعربات التي تجرها الخيول، وكان جمع المحصول من الأرض يدعى غمار ويتم بأداة خشبية تدعى المغمارة, وينقل إلى الطنبر أو العربة بأداة خشبية تدعى الشيالة ويلم بالمذراة الخشبية أيضا ويجري استخراج الحبوب باستخدام الحيلان, وهو مكون من دوائر حديدية مسننة ومقعد خشبي، ويجر الحيلان حصان أو حمار يدور حول المحصود من القمح، ونتيجة ذلك تتقطع السنابل المحصودة لتعطي ما كان يسمى بالدريخة يشكل حلقة يمر عليها الحيلان ويفتته إلى أن تستخرج حبوب القمح. بعد ذلك توضع الدريخة جانباً ويوضع محلها أموام سنابل حصاد جديدة وهكذا. وبعد ذلك تبدأ مرحلة التبتين, وهو فصل الحب عن التبن والقش يذرى بالمذراة عندما يهب هواء خفيف حيث يوضع على مجرى الهواء فيفصل الحب في جهة، والقش في جهة ثانية يسرد أولاً بالمسرد، وهو أداة خشبية مصنوعة على شكل دائرة وأسفلها شبك خشن المسامات يصنع من الجلد الطبيعي يبقي القش الخشن فوق المسرد, وينزل الباقي تحت المسرد أيضاً يفصل من خلال أداة تشبه المسرد, وتسمى صانوت بفتحات أصغر, وبعدها الغربال وبعدها الحاروبة. يعبأ التبن الناعم في أكياس الخيش الكبيرة وتسمى خيشه والحب في أكياس صغيرة تدعى شوال ينقل بعدها إلى البيوت ليوضع في خاليات (صوامع) مبنية من الطين أو حواصل خشبية ليستخدم فيما بعد في الطعام حيث يطحن ويخبر الخبز في التنور وتتم العملية في البيوت من قبل ربات البيوت. ولا زالت بعض التنانير حتى الآن تخبز الخبز البلدي.
أما التبن فيوضع في بيوت أو قباب مخصصة له يستخدم كعلف للحيوانات, القش الخشن يسمى قصرينة، ويستخدم وقوداً للتنانير وللطبخ على المواقد أو لسلق الحبوب في قدور كبيرة لصناعة البرغل للمؤنة الشتوية، ويوضع تحت الدواب في الغرف أو الاصطبلات في الشتاء.
كان جميع أفراد الأسرة يعملون في الزراعة وتقسيماتها وتختص المرأة بعمل زيادة عن هذا وإنتاج الألبان ومشتقاتها من الحليب.
بسبب الاعتماد الكلي على الحصان وبعض الحيوانات الأخرى في التنقل وفي الأعمال الزراعية كان هناك شخص مختص بمهنة تسمى البيطار, وكانت مهنته أساسية للقرية في وضع حدوات للأحصنة, وبقي موجوداً إلى وقت قريب، وبدأت مهنته بالزوال ما بين عامي 1975 – 1980 وتناقص دوره حيث توفي آخر من عمل بهذه المهنة من حوالي 13 عام ولم يبق أي حصان في القرية في الوقت الحاضر.
أيضاً كان هناك ما يسمى بالحداد وهو من يعمل بشحذ الأدوات المستخدمة في الزراعة كالقظمة والمنكوش والرزة والأزميل وسكة الفلاحة وكان لديه كور, وهو منفاخ جلدي يقوم بالضغط على الجمر الموجود في الموقد حيث يضع الأدوات الحديدية حتى يصبح لونها أحمر كالجمر ويطرقها بالمطرقة والسندان لشحذها وتوفي آخر من عمل بهذه المهنة من حوالي عشرين عاماً.
يوجد في القرية الآن حوالي 6 محلات سمانة فيها كل ما يحتاجه المواطن ويوجد محلان لبيع الملابس ومحل لبيع الأدوات المنزلية, ومحلان للحدادة وكومجي ومغسل للسيارات وهي لا تختص بأمر معين لبعد القرية عن المنطقة وهناك مركز واحد لبيع اسطوانات الغاز, ومركز لبيع الزيوت المعدنية وتوجد مدرستان للتعليم الأساسي ويوجد مقر بلدية ومركز صحي وجمعية غنمية ومختار للقرية, حيث كان لمقام المختار صفة الكبير ولديه منزول يجتمع فيه وجهاء القرية وكبير كل عائلة يتدارسون أحوال القرية, ويحلون مشاكلها ومازال منصب المختار موجوداً ولكن انحسر دوره الاجتماعي قليلاً.
رجاء حيدر
سوريا – سلمية – تلدرة