بوابة المجتمع المحلي

 
  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

السماء تتلبد بالغيوم

أرسل لصديقك طباعة

السماء تتلبد بالغيوم

إنها لمفارقة غريبة أن اقتراب سلطة الأوروبيين من ذروتها في الأنحاء الأخرى من العالم قد ترافق بازدياد علامات التقلقل وعدم الاستقرار في أوروبا نفسها، حيث ظهرت علامات النظام الدولي الجديد بوضوح في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مثلما ظهرت في أنحاء أخرى.

وإن أفضل نقطة انطلاق هي عام 1848، لابسبب أهميته كمرحلة من مراحل الثورة الاجتماعية، بل لأنه معلم هام في قصة القومية الأوروبية يكشف عن مدى قوتها، كما أنه يفصل بين مرحلة أولى من السلام الدولي الطويل ومرحلة ثانية من الحرب، ولو كان من الصعب على الناس أن يروا ذلك في حيته.

لقد نشبت خلال ربع القرن التالي حرب بين بريطانيا وفرنسا وتركيا وسردينيا من جانب، وروسيا من الجانب الآخر حرب القرم 1854-1856  ثم بين فرنسا المتحالفة مع سردينيا ضد النمسا 1859، ثم ثلاث حروب أخرى خاضتها بروسيا ضد الدانمرك 1864، والنمسا 1866، وانضمت إليها إيطاليا إلى جانب بروسيا وفرنسا 1870.

وكانت أولى هذه الحروب أي حرب القرم تدور في الحقيقة حول مسألة قديمة، هي هل يجوز السماح لروسيا بأن تهيمن على تركيا وربما بأن تطيح بها ، أما الحروب الأخرى فكانت كلها تدور حول بناء دول قومية.

أمم جديدة

لقد هزمت النمسا في ألمانيا، حيث اضطر الهابسبرغ للاعتراف بسيادة بروسيا، كما هزمت في إيطاليا ولم تبق لها فيها أراض كثيرة بعد عام 1866، لذلك وجدت نفسها مضطرة لتقديم التنازلات لقوميات أخرى ضمن حدودها، إذ لم تعد الملكية النمساوية بقادرة على مقاومة مطالبها.

وهكذا تم ترتيب حل وسط في عام 1867 مع أحد شعوب الإمبراطورية، وهو الشعب المجري، فمنحوا قدراً كبيرا من الاستقلال فيما سمي منذ ذلك الحين الملكية الثنائية، لأنها كانت في الحقيقة عبارة عن وحدتين مستقلتين ومنضمتين تحت حاكم واحد في الدولة النمساوية الهنغارية.

وأصبح فرانتز جوزيف إمبراطوراً في إحدى شطري بلاده وملكاً في الشطر الآخر، أما بقية الشعوب الإمبراطورية فقد ظل أملها خائباً، والحقيقة أن الملكية الثنائية كانت بمثابة رشوة لهنغاريا سمحت للمجريين الذين يحكمونها بالانضمام إلى النمساويين في قمع الصرب والسلوفينيين والرومانيين والسلوفاك وغيرهم.

كما نشأت خلال تلك السنوات دول قومية أخرى، وكانت من النتائج المتأخرة لحرب القرم نشوء دولة قومية مستقلة هي دولة رومانيا، ولو أن هذا الاسم لم يستخدم حتى ستينيات القرن التاسع عشر، ثم أن توحيد كل من إيطاليا وألمانيا والتنازلات التي قدمت للمجريين قد زادت من اندفاع الشعوب الأخرى في وسط أوروبا وفي البلقان خاصة التي كانت تحت حكم الأتراك، في مطالبتها باستقلالها السياسي هي الأخرى.

وهكذا كانت نتائج هذه السنوات معقدة جداً ولكنها على درجة كبيرة من الأهمية، وإذا نظرت إلى الخارطة قبلها وبعدها رأيت مدى تأثيرها الواسع. إن أوسع رجال الدولة أثراً في إحداث هذه التبدلات هما الوزير البروسي بسمارك والإيطالي كافور، وقد غيرا خريطة الدبلوماسية الأوروبية وظروفها حسب الصورة التي كان الناس يتمنونها في عام 1848، ولكن لمصلحة النزعة المحافظة ومن أجل قمع النزعات القومية الثورية التي كانا يخشيانها.

besmark1

بسمارك 

وهكذا باتت أوروبا في عام 1871 مكونة بشكل أساسي من دول قومية، إلا أن هذه البنية كانت تعاني من عيبين اثنين: أولهما وجود أماكن مازالت تخبئ المتاعب للمستقبل، ومنها إيرلندا، إذ يبدو أن بريطانيا قد شارفت على منحها حكماً ذاتياً تحت رئاسة التاج في أواخر القرن التاسع عشر، ولكن السياسات الحزبية أحبطت تلك المساعي. وظلت النرويج والسويد في دولة واحدة إلى أن انفصلتا بصورة سلمية في عام 1905.

أما روسيا فقد ظلت مثل بروسيا والنمسا تحكم جزءً كبيراً من بولندا، وكانت فيها شعوب مستاءة هي شعوب البلطيق والشعب الفنلندي، وفي الشطر الهنغاري من الملكية الثنائية شعر كل من الكروات والرومانيين والسلوفاك والسلوفينيين والصرب بالقمع، والأهم من هذا كله أن الأتراك ظلوا يحكمون البلغار والمقدونيين والألبان والبوسنيين حتى عام 1878، عندما انتقل الحكم الحقيقي للبوسنة على يد النمساويين، مع أن السلطان العثماني احتفظ بسلطته الاسمية عليها والحقيقة أن البلقان كانت كابوساً مرعباً من وجهة نظر القوميين بالنظر إلى التداخل العجيب بين شعوبها ولغاتها ودياناتها.

في تلك الأثناء كان توازن القوى في أوروبا قد تغير تماماً، فقد انتهى التحالف المقدس القديم بين الدول المحافظة في القرم، وظهرت إمبراطورية ألمانيا جديدة تأسست رسمياً في عام 1871 لتحل محل فرنسا كقوة مسيطرة في أوروبا، وكان هذا هو الجانب السياسي لتغير هام في السكان وفي الاتجاهات الاقتصادية، وسوف تظل الهيمنة الألمانية مشكلة أساسية تواجه رجال الدول الأوروبية حتى عام 1945.

السيطرة الألمانية

مع هذا تمكنت القوى العظمى من التعايش جنباً إلى جنب بسلام طوال أكثر من أربعين عاماً بعد 1871 وكان هذا إنجازاً عظيماً بالنظر إلى الأخطار الكثيرة والمتزايدة الكامنة تحت سطح الحياة الدولية خلال هذه الفترة كانت ألمانيا قد أكرهت فرنسا على عقد الصلح بشروط مهينة في عام 1871، وعلى التخلي عن اثنين من مقاطعاتها، أي الإلزاس واللورين، وعلى دفع تعويض هائل، ومنذ تلك اللحظة بات من الواضح أن ألمانيا الجديدة قد حلت محل فرنسا في سيطرتها الطويلة في أوروبا.

لقد كان عدد سكانها في ازدياد، وكانت تمر بطور من النمو السريع، وكان اقتصادها يزداد قوة على قوة، بل إنه كان ينمو بسرعة تضاهي بريطانيا لهذا أصبحت ألمانيا في عام 1900 أكبر قوة عسكرية في قارة أوروبا، إلا أن فرنسا لم ترض قط بفقدان مقاطعتيها.

كانت إيطاليا دولة أحدث بقليل من ألمانيا، وكانت قد أخذت مدينة روما من البابا لتمنح نفسها في عام 1870 العاصمة التاريخية التي طالما تاق إليها الإيطاليون.

إن الدول الحديثة كثيراً ما تكون حساسة وصعبة في شؤونها الخارجية، ويكون حكامها واعين جداً للانقسامات والضعف في الداخل وللرغبة بالتغلب عليها عن طريق اتباع سياسات صاخبة في الخارج من أجل اجتذاب المشاعر الوطنية واسترضائها.فراح زعماء إيطاليا يقومون بالمغامرات الاستعمارية، التي بلغت ذروتها في الحرب مع تركيا في عام 1911 من أجل الاستيلاء على أجزاء من شمال أفريقيا، بينما ظل غيرهم من الإيطاليين يذكرون مواطنيهم بالجاليات الإيطالية التي تعيش تحت حكم النمسا، والتي كانوا يقولون أنها غير معتقة وإن أراضيها يجب أن تحرر وكان هذا سبباً آخر من أسباب الاضطراب.

أما المانيا فلم يبد أنها قد تكون مصدراً لأخطار جديدة، ولم يكن فيها أحد ذو شأن يريد أن يوحد الألمان جميعاً تحت حكم واحد، وقد بقيت شؤونها الخارجية طوال عشرين عاماً تقريباً بيد رجل واحد عالي الذكاء وذي مزاج حاد وعنيد هو النبيل البروسي الكونت أوتو فون بسمارك، الذي كان هدفه الأساسي هو أن تستمر الحياة في ألمانيا في ستينيات القرن التاسع عشر، وعندما اكتملت تلك الحروب بنجاح صار يخشى الاضطراب الاجتماعي بل حتى الثورة في الداخل إذا ما حدثت حرب أخرى، فبذل أقصى جهده لتجنب ذلك.

وكانت إدارته لشؤون أقوى الدول الأوروبية عاملاً حاسماً في الحفاظ على السلام، إلا أن ألمانيا كانت تتغير رغماً عن إرادة بسمارك، وقد أدى نمو عدد سكانها وقوتها الصناعية إلى نشوء أفكار ومواقف ومطالب جديدة، وصارت هذه القوى تلعب دوراً متزايداً في تشكيل السياسة الخارجية لألمانيا بعد أن صرف بسمارك من الخدمة في عام 1890.

وكان بعض الألمان ذوي النفوذ يسعون لكي تحظى بلادهم باحترام ومكانة أكبر على المستوى الدولي، وكانوا يسمون ذلك مكاناً تحت الشمس، كما أنهم في الوقت نفسه صاروا يشعرون بمزيد من الغيرة والخوف على الدول الأخرى.

منذ أيام بسمارك كان قد ظهر احتمال انهيار التوازن الأوروبي على مستوى الدبلوماسية، فكانت الأقليات القومية مثلاً تزداد صخباً في الإمبراطورية العثمانية وفي إمبراطورية الهابسبرغ. والأهم من هذا أن الحكام والشعب معاً فقد فقدوا بالتدريج الشعور بأن السلام أنسب لهم من الحرب من أجل الوصول إلى الأهداف التي يسعون إليها، بل كان يبدو أحياناً أن الناس يرحبون بالحرب، إذ كانت ذكريات آخر الحروب الأوروبية قد بهتت في أذهانهم.

كان بسمارك قد حاول أن يضمن سلام وأمن ألمانيا عن طريق عقد التحالفات مع روسيا والدولة النمساوية الهنغارية وإيطاليا. فمنع فرنسا بذلك من محاولة الانتقام بعد عام 1871، إذ لم يعد باستطاعتها أن تجد حليفاً يساعدها ولا كان بإمكانها أن تهزم ألمانيا بمفردها.

وقد عمل بسمارك بكد ونشاط لكي يضمن الصداقات مع حلفائه، ويضمن أيضاً أن تبقى بريطانيا ملتزمة بانعزالها عن الشؤون الأوروبية التي لاتخصها مباشرة، ولكن التنافس القديم بين روسيا وإمبراطورية الهابسبرغ في جنوب شرقي أوروبا ظل خطراً مستمراً على سياسته. ويعود هذا التنافس إلى مسألة القرن الثامن عشر، التي طرحت منذ بداية التراجع الطويل للإمبراطورية العثمانية ألا وهي: من الذي سوف يحل محلها؟ إذ لم يكن النمساويون يرغبون بأن يحل الروس محلها، لأنهم عندئذٍ سوف يسدون أمامهم الطريق نحو الجنوب على طول نهر الدانوب. كما لم يكن الروس يرغبون بأن يحل محلها، لأنهم عندئذٍ سوف يسدون أمامهم طريق الاستيلاء على مدخل البحر الأسود.

وعندما حارب الروس الأتراك بين عامي 1876-1878 بدا أن النمساويين والبريطانيين قد ينضمون لمساعدة الإمبراطورية العثمانية مثلما فعلوا في عام 1856، ولكن بسمارك نجح في تجنب الخطر في مؤتمر كبير عقد في برلين استطاع فيه أن يكافئ الجميع أو يسكتهم، فأعاد بذلك العلاقات الروسية النمساوية إلى مسار سلس؛ حتى السنوات الأولى من القرن العشرين.

كان بسمارك قد شعر أنه إذا وصلت الأمور إلى مواجهة صريحة بين ملكية هايسبورغ وروسيا فسوف يتوجب عليه أن يقف إلى جانب الأولى، وقد أدى هذا بخلفائه إلى إهمال تحالفهم مع روسيا. وفي عام 1892 عقدت روسيا تحالفاً مع فرنسا، وكان أمراً طبيعياً أن يتحالف هذان المنافسان الاستعماريان لبريطانيا، وقد سبب تحالفهما ضغطاً عليهما بالفعل. كما أنه أخرج فرنسا من عزلتها، وقد تقدر ذات يوم على مواجهة ألمانيا. وهكذا بدأت أوروبا بالانقسام إلى معسكرين من دون أن يلاحظ أحد هذا الأمر.

روسيا القيصرية

كانت روسيا مصدراً واضحاً للقلق وعدم الاستقرار، لم يكن ثمة شك في أنها كانت تعد بين القوى العظمى في عام 1900، ولكن من الصعب أن نقول أكثر من هذا. كانت طاقتها البشرية الواسعة ومواردها الطبيعية الهائلة توحي بأن من المحتم أن تهيمن على شؤون أوروبا الشرقية، بل ربما على شؤون قسم كبير من آسيا أيضاً.

ولكنك كنت ترى فيها أيضاً نقاط ضعف عديدة وواضحة، فقد كانت متأخرة عن أوروبا الغربية من نواح عديدة، وكانت نسبياً أضعف مما كانت عليه في عام 1800، عندما كانت تشبه أوروبا من ناحية أنها غير صناعية أو أكثر سكانها من أهل الريف والمدن الصغيرة، رغم أنها كانت عندئذٍ فريدة من حيث حجمها وتاريخها وموقعها الجغرافي، بيد أن الأمور قد تغيرت بعد مئة عام.

كانت الطريق نحو تحديث المجتمع الروسي مزروعة بالعقبات، فقد كان هناك أولاً تقليد الحكم الأوتوقراطي، إذ لم تضبط سلطة القيصر مثلما ضبط الحكم المطلق من قبل المصالح الراسخة التي فرضت نفسها في البلاد الأخرى. فإذا كان للإصلاح أن يصل إلى روسيا فعليه أن يأتي من فوق، إذ لم يكن ثمة طرق يأتي فيها من خلال مطالب الشعب، ولهذا تأخر الإصلاح فيها كثيراً.

وربما كان القيصر اسكندر الأول يرجو إدخال إصلاحات مثلما ظن البعض، ولكنه في النهاية خيب آمال الذين تطلعوا إليه في ذلك، أما خليفته نيقولا الأول فكان رجلاً بارداً ومتوحشاً ومشبعاً بنظرة عسكرية ضيقة، ولم يفكر في السماح بأية درجة من التحرر قط، لذلك صارت الأوتوقراطية الروسية خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر أكثر جموداً من ذي قبل، وصارت البلاد أكثر عزلة عما يجري خارجها من أي وقت مضى.

وأدى هذا إلى العجز عن حل مشاكل روسيا وبالتالي إلى إضعافها وإعاقة النمو الاقتصادي فيها، لقد كانت لدى روسيا في القرن الثامن عشر صناعات هامة في مجال استخراج المعادن وتصنيعها، ولكن الدول الأخرى سرعان ما سبقتها في هذا المجال بمرور القرن التاسع عشر.

كما أن الزراعة فيها عجزت عن تحقيق الارتفاعات في الإنتاج التي كنت تراها في الدول الأخرى، بينما كان عدد سكانها يتابع نموه، فازداد حال أكثر الروس سوءاً على سوء، ويبدو أن ارتفاع انتاج الحبوب خلال القرن التاسع عشر، لم يقدر قط على اللحاق بارتفاع عدد السكان، وكان من الأسباب الهامة لذلك استمرار مؤسسة عتيقة بالية في روسيا هي عبودية الأرض.

فبينما كانت عبودية الأرض تنحسر وتختفي في البلدان الأخرى، كانت في روسيا تزداد انتشاراً وقسوة، وشاع تمرد العبيد وهجماتهم على المشرفين عليهم، بل إن إحدى تلك الهجمات كادت أن تؤدي إلى ثورة واسعة النطاق. وفوق هذا حرمت العبودية الفلاح من حوافز تحسين الزراعة، ومنعت الحركة الحرة للقوى العاملة المطلوبة في المصانع الجديدة. كما أن الفقر قد حد من حاجة الفلاح للبضائع المصنعة.

ولكن من ناحية أخرى يجب أن نعترف بأن هذه العبودية كانت متأصلة في المجتمع الروسي تأصلاً عميقاً إلى حد أن إلغاءها المفاجئ قد يسبب انهيار الحكومة نفسها، لأن الأوتوقراطية كانت تعتمد على أصحاب الأراضي والعزب للقيام بالأعباء التي كانت تقوم بها الحكومة المحلية في البلاد الأخرى.

لقد دفعت الهزيمة في حرب القرم الحكومة إلى الإصلاح، ومات نيقولا الأول في آخر سنوات الحرب، وكان الإجراء الحاسم والأساسي لجميع الإجراءات الأخرى هو تحرير عبيد الأرض في عام 1861 أي قبل أربع سنوات من إلغاء الرق في الولايات المتحدة، ويعود الفضل في هذا الإنجاز العظيم إلى النظام نفسه، وقد حصل بعد قدر كبير من التفكير.

كان جوهر الإصلاح هو أن أولئك العبيد لم يعودوا ملكاً خاصاً لأصحاب العزب بل أصبحوا أفراداً أحراراً قانونياً، ولم يعن هذا عملياً الحرية الكاملة لهم، لأن ترتيبات عديدة جعلت من الصعب على الفلاحين أن يأخذوا إذناً بمغادرة قراهم الأصلية، وقد أبطأت هذه القيود عملية التغيير، ولكنها في النهاية مهدت الطريق لتحديث الزراعة والصناعة في روسيا.

لقد تمت هذه الإصلاحات على عهد الاسكندر الثاني، الذي يعرف بالقيصر المحرر لأنه قضى على عبودية الأرض، وقد أتى حكمه بإصلاحات أخرى أيضاً، إلا أنها لم تمس قط المبدأ المركزي للأوتوقراطية، إذ أنها قد منحت كلها من القيصر نفسه مثل عطايا، ولم يعترف بها كحقوق للشعب الروسي بل كان بإمكانه أن يسحبها. وكان هذا من الأسباب التي جعلت بعض أعداء النظام يرفضون القبول به وبإصلاحاته، واستمر هؤلاء في مؤامراتهم وصراعهم للإحاطة بالدولة، وكثيراً ماكانوا يغتالون المسؤولين، وقد اغتالوا قيصراً ذات مرة.

وشدد هذا بالطبع مخاوف المحافظين الذين كانوا يعتبرون أنه لايجوز تقديم أية تنازلات، وأن التنازلات التي قدمت لابد م سحبها.

لقد ظل معظم الفلاحين يعيشون في ضيق شديد، وكانوا يعانون من أعباء الضرائب الفادحة التي كانت تمول بناء السكك الحديدية وغيرها من أشكال الاستثمار، كما أن اتسع التطور الاقتصادي أدى إلى نشوء أعداد متزايدة من رجال الأعمال والمزارعين ذوي الأفكار التحررية الذين كانوا في حال من الغضب والسخط، فليس من الغريب إذاً أن تندلع الثورة على عهد نيقولا الثاني، وهو آخر القياصرة وأقلهم خيالاً وسعة أفق من نواح عديدة.

لقد عانت روسيا في عام 1904 من هزائم فادحة في حربها مع اليابان، ثم اندلعت الثورة من جديد في العام التالي، وبدأ النظام يترنح، فقدم المزيد من التنازلات، وتأسس نوع من البرلمان أو المجلس الاستشاري يدعى الدوما، ولم يكن ذا شأن كبير ولكنه كان دليلاً على أن عملية تدريب الروس البطيئة على الحكم الذاتي سوف تبدأ أخيراً. والمؤسف أن مجلس الدوما لم يعس إلا سنوات قليلة إلى أن تورطت البلاد في حرب أخرى فأدت إلى الحد من سلطاته.

ولكن مكانة روسيا كقوة عظمى بدت راسخة من جديد في عام 1914، إذ أضحت على طريق التحول إلى قوة صناعية، ومع أنها كانت متأخرة في هذا المجال عن ألمانيا وإنكلترا فإن إنتاجها كان ينمو بسرعة أكبر منهما، وبات من الواضح أن بانتظارها مستقبلاً صناعياً عظيماً.

وبدأت المشكلة الزراعية تستقيم أخيراً، وقد سرعت التشريعات الجديدة نشوء طبقة جديدة من المزارعين الفلاحين الأغنياء الذين يسمون الكولاك، وهم أشبه بمزارعي اليومن في إنكلترا المهتمين بالفعالية وبتحقيق الأرباح؛ فبدأت جهود هؤلاء أخيراً برفع الإنتاجية.

ومع ازدياد ثقة روسيا بنفسها بات حكامها واثقين بقدرتها على الدفاع عن مصالحها، وبأن جيشها يمتلك الوسائل اللازمة لذلك، بفضل شبكة السكك الحديدية والقاعدة الصناعية اللتين مابرحتا تنموان وتتسعان. ولكن مع أنها كانت بالاسم بلداً أوروبية، فقد كانت من ناحية أخرى تجد فيها أحياناً فقر رهيب مثل الذي تجده في آسيا.

وظلت الكنيسة تتدخل في شؤون الحكم والمجتمع مع أن هذه الأمور كانت قد زالت منذ حوالي قرن كامل في أكثر أنحاء أوروبا، وكان فيها عدد قليل من الجامعات والمدارس الجيدة وبعض العلماء والأدباء المتميزين، ولكن السواد الأعظم من شعبها كان من الفلاحين الأميين، والأنكى من ذلك أن الحكم ظل مرتكزاً في النهاية على سلطة الأوتوقراط التي تعتبر مستمدة من الله نفسه، ونتيجة لهذه الأشياء كلها كانت روسيا البلد الوحيدة التي توجد فيها حركة ثورية خطيرة ومتلهفة للإطاحة بالنظام عن طريق القوة.

كان خلفاء بسمارك في قيادة شؤون ألمانيا أقل كفاءة وحكمة منه، كما كانت لديهم أوضاع سياسية داخلية أكثر تعقيداً، وكانت هناك مصالح جديدة تصرخ مطالبة بالاهتمام، وكان بعضها يقتضي تغييرات في السياسة الخارجية. لقد سعوا أحياناً لدعم وتأييد الإمبراطور الألماني فيلهلم الثاني، وهو شاب سريع الانفعال والتهيج، وكان عاملاً حاسماً لأن سلطاته كانت واسعة، وسوف تصبح ألمانيا على عهده عنصراً لايمكن التنبؤ به في الكيمياء الدبلوماسية خلال القرن التالي، بل حتى في تسعينيات القرن التاسع عشر.

لقد حققت الدبلوماسية الأوروبية إنجازاً آخر قبل أن ينهار ذلك السلام الطويل، وهذا الإنجاز هو تسوية مجموعة كبيرة من مسائل المستعمرات من دون حرب، فالحقيقة أن الحرب عندما نشبت في النهاية كانت حول مواضيع أوروبية وليس حول الإمبراطوريات الأوروبية في الخارج كما كان متوقعاً، ولو لاح في بعض الأحيان أن بريطانيا قد تدخل حرباً ضد روسيا أو فرنسا.

وكان جوهر هذا الإنجاز هو اقتسام أفريقيا كلها تقريباً، بصورة سلمية بين الأوروبيين بحلول نهاية القرن، خصوصاً بعد عام 1881 وقد تم هذا الأمر من خلال سلسلة طويلة من الاتفاقيات بين القوى منفردة، وهكذا نالت بريطانيا بحلول عام 1914 حماية على مصر، وصارت ليبيا العثمانية بيد الإيطاليين، وسيطر الفرنسيون على الجزائر، كما تشاركوا مع الإسبان في السيطرة الفعلية على المغرب، بينما كان الساحل الغربي لأفريقيا مقسماً بين القوى الأوروبية ماعدا دولة ليبيريا الصغيرة والمتخلفة.

وكانت الصحراء الكبرى وحوض السنغال وجزء كبير من الكونغو للفرنسيين والبقية للبلجيكيين، أما أراضي البريطانيين فكانت تمتد من رأس الرجاء الصلاح إلى حدود الكونغو، ولكن كان يفصلها عن الساحل وجود الألمان في طنجنيقة والبرتغاليين في موزمبيق. إلا أن أراضي بريطانيا كانت تمتد من كينيا نحو الداخل حتى حدود السودان، وهكذا بقيت إثيوبيا وليبيريا هما الدولتان الوحيدتان المستقلتان في أفريقيا.

وحصلت في بقاع أخرى من العالم تسويات كبيرة أيضاً، فقد تم اقتسام المحيط الهادي، ووسع كل من البريطانيين والفرنسيين والروس أراضيهم في آسيا، وفي نهاية القرن صرت تسمع عن الاقتسام السلمي للصين نفسها، ولم يعد ثمة شك في أن الأوروبيين مازالوا يحددون تنظيم العالم خارج الأمريكتين.

  

 

 

 

بوابات المجتمع المحلي



البحث في البوابة

تابعونا على فيسبوك



إعلانات
يمكن للسادة المحامين الراغبين بالمشاركة في المنتدى القانوني على موقع بوابة المجتمع المحلي زيارة المنتدى القانوني والتسجيل بشكل مباشر كما يمكنهم الاتصال بإدارة الموقع على عنوان البريد الالكتروني : webmaster.reefnet@gmail.com