بوابة المجتمع المحلي

 
  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

قوة آسيوية جديدة

أرسل لصديقك طباعة

قوة آسيوية جديدة

كان اليابانيون في القرن التاسع عشر يراقبون الأحداث في الصين والهند باهتمام بالغ، وكانت اليابان في عام 1800 مجهولة لدى الأوروبيين ماعدا العدد القليل من الهولنديين، ولكن العلامات كانت تدل على أن الأمور لايمكن أن تستمر طويلاً على هذا الحال. لقد كان الأوروبيون أقوى بكثير مما كانوا عليه قبل مائتي عام، بينما كان اليابانيون أضعف بكثير، وسوف يصعب عليهم صد الأجانب إذا أراد هؤلاء حقاً اختراق عزلة اليابان، وإذا تم لهم ذلك فليتأمل اليابانيون ما حل بالصين والهند.

وقد سبب السلام الطويل ونمو المصالح الاقتصادية الجديدة في اليابان ضغوطاً اجتماعية كبيرة، وكانت قوتها العسكرية عتيقة بالية، لذلك كانت ستواجه الضغوط الأوروبية والأمريكية المحتملة من موقع ضعف. وكان بعض اليابانيون يعلمون ذلك وقد بدؤوا بالالتفاف حول القوانين التي كانت تمنع دخول الأفكار الأجنبية عن طريق استيراد الكتب المتعلقة بما كان يسمى العلوم الهولندية. وحتى نظام الشوجونية كان قد سمح بترجمة بعض الكتب الأوروبية التي تعالج مواضيع تقنية.

لقد كان اليابانيون شعباً حاذقاً أبدى قدرة كبيرة على النسخ والاستعارة، وكان هذا الموقف مختلفاً كل الاختلاف عن الموقف المتعالي الذي واجه الصينيون به التأثيرات الغربية، فقد استطاعت مثلاً مجموعة من الأطباء اليابانيين في عام 1771 أن تقوم بأول تشريح لجسم الإنسان على جثة مجرم، من دون أن يكون بين أيديها إلا صور من كتاب هولندي، وكانت قدرة اليابانيين على التعلم وعلى تبني الأساليب الجديدة الفعالية ميزة كبيرة في مواجهة التحدث الأجنبي، ولكنهم لم يكونوا متفقين على الطريق الذي ينبغي عليهم سلوكه، فكان بعضهم يتحدث عن طرد البرابرة، وبعضها الآخر عن فتح البلاد وكان لكل من هذين الطريقين مخاطره.

إن المعاملة الفظة التي لقيتها الصين على يد الدول الأوروبية وعلى رأسها بريطانيا، والتي أكرهت هذه الإمبراطورية ذات الماضي العظيم على القبول بمعاهدات مذلة، كانت في النهاية ذات تأثير حاسم.

في عام 1842 سمحت اليابان للسفن الأجنبية بالتزود بالمؤن حين الحاجة، ولكن لم يسمح بعد للأفراد بدخول البلاد، وبعد ذلك استلم رئيس الولايات المتحدة في عام 1851 مسألة معاملة البحارة الأمريكان الذين تتعرض سفنهم للغرق على سواحل اليابان، ومسألة إيواء صيادي الحيتان والسفن الأمريكية العاملة في تجارة الشرق الأقصى وتزويدها بالمؤن، فتقرر إرسال أسطول بحري إلى اليابان لضمان فتح مرافئها للأجانب، وأبحر القبطان بيري في عام 1853 ضمن خليج ييدو، وكانت ييدو تعتمد على المؤن الآتية من البحر.

أما اليابانيون فقد أذهلتهم الأسلحة النارية المتفوقة لدى الأمريكان وسفنهم البخارية، وقبلوا بوجود قنصل أمريكي وفتحوا مرفأين من مرافئهم للتجارة مع أمريكا، ثم جرت معاهدات مع قوى أوروبية سمحت لغيرهم من التجار الأجانب بدخول اليابان ووافقت على إقامة البعثات الدبلوماسية.

إصلاح الميجي

لقد بدا لليابانيين أن بلدهم قد تصير بيد الأجانب مثل الصين إذا هم لم يهتموا للأمر، وكان من الواضح أن نظام التوكوغاوا غير قادر على معالجة الأزمة، وراح زعماء العشيرتين الكبريين يتعلمون الأساليب العسكرية الأوروبية ويرسلون البعثات إلى الخارج للتعلم من البرابرة. وقد أذهلهم بيري وربما أذهلهم أيضاً القطار البخاري الصغير الذي جلبه معه وعرضه متباهياً على سكة بنيت خصيصاً له في الحفل الكبير الذي أقيم بمناسبة توقيع المعاهدة الأولى، كما أذهلتهم الكميات العجيبة التي استهلكت فيه من الويسكي والشمبانيا.

وبعد وصوله بزمن قصير نشأت في بعض أراضي العشائر أولى المؤسسات الصناعية على الطريقة الغربية، ومواقع بناء السفن ومعامل الأسلحة والقطن، ثم كانت الخطوة الثانية هي تنظيم المعارضة العسكرية للتوكوغاوا.

لقد لاح في البداية أن البلاد قد تنهار من جديد في حال من الانقسام والفوضى، ولكن النبلاء المعارضين للشوغونية التجأوا إلى قوة مركزية جديدة، بل هي في الحقيقة قوة قديمة أعيد إحياؤها، فقاموا بانقلاب في كيوتو في الثالث من كانون الثاني يناير 1868 استولوا فيه على البلاط الإمبراطوري.

ثم ألغي منصب الشوغون الوراثي وأعيد الإمبراطور من كواليس الحكم إلى مركز الساحة، وثبتت مسؤوليته المباشرة في حكم البلاد. وكان رمز هذا التغير هو نقل البلاط إلى ييدو، فكانت تلك بداية حركة الإصلاح على عهد ميجي، والتي كانت عبارة عن ثورة حقيقية، وهي التي استهلت عملية التحديث المدروسة في اليابان.

وراح زعماء اليابان الجدد يسعون لدفع المبادرات الأولى للعشائر نحو الامام، وكان هدفهم أن يتعملوا ما أمكنهم من الدول الغربية، وأن يستخدموا ذلك العلم في تحديث بلادهم من دون أن يتغربوا أو يفقدوا تراثهم، وقد نجحوا في هذا الأمر نجاحاً كبيراً.

وبعد سنوات قليلة في كانون الثاني (يناير) من عام 1860،قاموا بإنجاز يدل أبلغ دلالة على ما يستطيعون الإتيان به بمواردهم المحلية البسيطة، فقد أبحرت السفينة كاترين – مارو، وهي سفينة شراعية ذات محرك بخاري لاتزيد قوته عن المائة حصان ولايمكن استخدامها إلا للمناورة في المرفأ، من ييدو إلى سان فرانسيسكو حيث رست بعد خمسة أسابيع فقط، وقد أبحر بها طاقمها بأشرعتها عبر المحيط الهادي، فكان بذلك أول طاقم ياباني يقطع هذه المسافة، وقد تم له ذلك بعد سبع سنوات فقط من إدخال بيري للسفن البخارية إلى خليج ييدو.

وبعد ذلك بدأ اليابانيون يذهبون لتعلم الملاحة للمرة الأولى في هولندا، وقد كتب أحد أفراد الطاقم الشباب فيما بعد مقارنة رائعة وبليغة يقول فيها حتى بطرس الأكبر قيصر روسيا الذي ذهب إلى هولندا لدراسة الملاحة ماكان باستطاعته رغم كل ما قام به أن يأتي بمثل هذا الإنجاز الذي أتى به اليابانيون".

التحديث وحدوده

لقد واجه اليابانيون مهمة التحديث بشعور عال من الكبرياء الوطنية، وترافق هذا الشعور بحرصهم الشديد على النجاة من مصير الصينيين والهنود، وهذا ما دعم إرادتهم في التعلم وفي استعارة المعارف والتقنيات، وسوف تغير هذه الأمور اليابان بصورة سريعة.

كان إلغاء النظام شبه الإقطاعي القديم المتمثل بحكم العشائر باسم الإمبراطور هو الخطوة الأولى نحو خلق دولة قومية، وقد لعبت المنافسات بين العشائر دوراً كبيراً في القضاء على سلطة التوكوغاوا، ثم قدمت العشائر الكبرى المثال والقدوة بأن سلمت أراضيها للإمبراطور "لكي يسود حكم واحد متسق في كافة أنحاء الإمبراطورية" كما قالت.

وتم تبني الكثير من مؤسسات الحكم الأوروبية، فقسمت البلاد إدارياً إلى مقاطعات، وفي عام 1889 تم تأسيس برلمان ذي مجلسين تشريعين، وكانت اليابان قد تبنت نظام التجنيد العسكري لكي يكون لديها جيش على النمط الأوروبي، كما أسست أول نظام بريد فيها وأول خط حديدي وأول صحيفة يومية، وتبنت أيضاً التقويم الأوروبي.

ولكن أشياء كثيرة من الماضي ظلت مستمرة، خاصة في العبادات الوطنية وفي التبجيل الذي كانوا يؤدونه للسلطة الإمبراطورية، وفي عام 1980 وضع بيان في مجال التعليم ظل يقرأ على أجيال طلاب المدارس في اليابان في أيام الاحتفالات طوال الخمسين سنة القادمة، وكان يحثهم على الحفاظ على القيم التقليدية، من احترام للوالدين وطاعة وتضحية بالنفس إذا الأمر من أجل قضية الأمة.

كما ظلت تقاليد الساموراي حية أيضاً، فقد ظل بعضهم يناصرون سادتهم المستائين من الثورة خلال السنوات العشر التالية لعملية الإصلاح، إلى أن هزمهم الجيش المجند الجديد، فصار أكثرهم عندئذٍ راغبين بالالتحاق بالخدمة المدنية للنظام الجديد أو بجيشه أو بحريته، أما سادتهم فقد عوض لها عن فقدان أراضيهم بمداخيل ضمنتها الحكومة، وظلوا يتمتعون بمقدار كبير من النفوذ، وسرعان ماصار بعضهم أعضاء في مجلس النبلاء الجديد. وهكذا ظلت أشياء كثيرة في اليابان على حالها رغم تحديث البلاد السريع الذي قد يلفت أنظار المراقب الخارجي.

إلا أن بعض التغيرات كانت واضحة جداً، فقد بدأ استخدام الآلات التي تعمل بالطاقة في صناعة غزل الحرير في سبعينيات القرن التاسع عشر، وسرعان ما صار واسع الانتشار، ولو أن أكثر من نصف الحرير المغزول في اليابان ظل يصنع باليد بعد عشرين سنة.

وفي أوائل تسعينيات القرن صارت لليابان صناعة قطنية جديدة ولو أن عدد المغازل فيها كان يعادل واحداً بالمئة من عددها في بريطانيا ولكن النمو الصناعي السريع لم يبدأ إلا في النصف الثاني من التسعينيات، فارتفع الإنتاج السنوي للفحم فيها من 5 ملايين طن في عام 1895 إلى أربعة أمثاله تقريباً في عام 1914، كما ارتفع إنتاج الحرير الخام في المرحلة نفسها بمقدار ثلاثة أمثال بينما ارتفع إنتاج القطن المغزول بمقدار ستة أمثال، وأضحت اليابان في عام 1914 أكثر الدول صناعية في آسيا.

لقد كان دور الزراعة في هذا الاندفاع الاقتصادي الكبير أقل وضوحاً من دور الصناعة ولكنه كان في الحقيقة أكثر منه أهمية، فقد ارتفع الإنتاج الزراعي للفرد الواحد أكثر بكثير من مثلين بين عامي 1868 و1914. ولكن هذا الارتفاع لم يؤثر كثيراً في حياة الغالبية العظمى من اليابانيين الذين ظلوا فلاحين.

وكان على الزراعة أن تزمن الضرائب لتمويل الاستثمار الرأسمالي اللازم للصناعة والخدمات والإدارة الجديدة والتعليم، وظل الفلاحون فقراء يرزحون تحت عبئها الثقيل، ولم يطرأ تغير يذكر على أساليب الحياة في القرى، وبقيت النساء مسحوقات ومضطهدات ومقيدات بالتقاليد القديمة البالية؛ إلا أن اليابان كانت قد لحقت بالعالم الحديث.


 

 

 

 

بوابات المجتمع المحلي



البحث في البوابة

تابعونا على فيسبوك



إعلانات
يمكن للأساتذة الراغبين في المشاركة في إعداد الدروس الصوتية على موقع بوابة المجتمع المحلي لمختلف المواد الدرسية ولكافة الصفوف الاتصال بإدارة الموقع على عنوان البريد الالكتروني webmaster.reefnet@gmail.com