بوابة المجتمع المحلي

 
  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

الحكم البريطاني في الهند

أرسل لصديقك طباعة

الحكم البريطاني في الهند

ازدادت في ذلك الحين المعارضة للحكم الاستعماري في شبه القارة الهندية أيضاً، ولو أن السلطة الاستعمارية فيها لم تعد بيد المغول من أهل البلاد بل صارت في أيد أوروبية. كانت الهند قد أصبحت ذات أهمية عظيمة لدى البريطانيين، والحقيقة أن تاريخهم الاستعماري لامعنى له بدونها، وحتى شكل هذا التاريخ حددته الهند، لأن أجزاء كثيرة من الإمبراطورية إنما ضمت إليها لأهميتها في الدفاع عن شبه القارة أو عن الطريق البحرية المؤدية إليها من إنكلترا.

ومنذ عام 1800 كان عدد السكان الخاضعين للحكم البريطاني في الهند أكبر منه في أي من المستعمرات الأخرى، بل إنهم كانوا في عام 1900 أكثر من جميع سكان الإمبراطورية معاً. وبمرور الزمن هاجرت أعداد كبيرة من الهنود إلى أنحاء أخرى من الإمبراطورية، فظهرت الجاليات الهندية حتى في فيجي وشرق أفريقيا وجزر الهند الغربية.

وكانت التجارة مع الهند هامة دائماً، لأن شبه القارة كانت تستهلك كميات كبيرة من المصنوعات البريطانية.

 وقد ساهم الجنود من أبناء الهند في الدفاع عن أجزاء أخرى كثيرة من الإمبراطورية، وحاربوا في أزمنة مختلفة من أجل بريطانيا في جميع القارات ماعدا الأمريكتين، وأخيراً كان التأثير المتبادل هاماً ومستمراً بين ثقافتي شبه القارة وبريطانيا، ومازالت نتائج هذا التأثير جلية حتى اليوم.

لقد صار بعض الناس يطلقون على الحكم البريطاني اسم الراج the Raj لأنهم اعتبروه خلفاً لحكم المغول. ولم تكن هذه النتيجة لتخطر بالبال عندما كان هذا الحكم في طور التشكل، وقد ظلت شركة الهند الشرقية تحكم الهند البريطانية بالاسم في عام 1800، ولكن حاكمها العام أصبح منذ عام 1784 يعين من قبل الحكومة البريطانية.

كانت هذه الشركة قد أنشأت بهدف المتاجرة، وقد ظل عملاؤها زمناً طويلاُ يرون الهند من هذا المنظور، أي أنهم لم يطلبوا من الحكومة أكثر من أن تضمن لهم الاستمرار بأعمالهم. ولكن الشركة كانت منذ القرن الثامن عشر قد حصلت من حاكم البنغال المحلي على حقوق فرض الضرائب في أراضيه، وقد ورطها هذا الأمر في سياسات الهند وإنكلترا، وراحت حصة الحكومة البريطانية في إدارة الهند تنمو باطراد.

في هذه الأثناء كانت امتيازات الشركة تتراجع باطراد أيضاً، ففقدت احتكارها للتجارة في الهند في عام 1813، وفي الصين أيضاً بعد عشرين عاماً، وهكذا صارت تعتمد على الضرائب في مدخولها وتسلك شيئاً فشيئاً سلوك أي حكومة استعمارية عادية.

كان هذا النظام يسمى الحكم الثنائي وقد استمر الاسم حتى عام 1857، وكانت مشاركة الحكومة البريطانية فيه تزداد باستمرار مع مرور الزمن، في هذه الأثناء كان المزيد من الدول الهندية تضم إلى الإمبراطورية أو تخضع للسيطرة البريطانية عن طريق المعاهدات. وكان الإمبراطور المغولي عاجز عن مقاومة هذا التيار، مع أنه ظل الحاكم الاسمي لجزء كبير من شبه القارة.

ولم تعد اللغة الفارسية لغة القانون والإدارة بل حلت محلها اللغة الإنكليزية، وسمح للمبشرين بالعمل في الهند بعد عام 1813، فبدؤوا يجتذبون المزيد من الهنود إلى اعتناق المسيحية، وقد كان هناك دوماً بعض المسيحيين الهنود في المستوطنات البرتغالية والفرنسية. وأسست المعاهد والمدارس، كما بني أول خط حديدي في الهند في عام 1853.

وكان الحكام البريطانيون يشجعون هذه التغيرات تشجيعاً كبيراً، ويعتبرونها إنجازات متنورة، مثلما أدخلوا الشرائع القانونية الجديدة التي اعتبروها بديلاً أفضل من التقاليد الهندوسية والإسلامية، وقد ازداد عدد السكان فبلغ 200 مليون نسمة تقريباً في عام 1850 وكان حوالي 70% منهم هندوساً و 20% مسلمين.

التمرد ونتائجه

راح المزيد من الرجال الإنكليز والنساء الإنكليزيات أيضاً بعد افتتاح خطوط السفن البخاري إلى أوروبا، يفدون إلى الهند سعياً وراء الأعمال، ولكنهم ظلوا نقطاً صغيرة في ذلك المحيط المؤلف من جماهير الهنود الهائلة.

أما الهنود فقد ظل سوادهم بمنأى في حياتهم اليومية عن تأثير الحكم البريطاني، وكانوا يعيشون في قراهم حيث كان تقاليدهم هي التي تحدد نمط تلك الحياة، وكان يبدو أن الحكم سوف يظل دوماً على حاله، أي حكماً استبدادياً متنوراً، ولم يكن يخطر ببال أحد أن الهنود يقد يحكمون أنفسهم في يوم من الأيام.

ثم حدثت فجأة في عام 1857 صدمة رهيبة زعزعت ثقة البريطانيين هذه، فقد اندلعت سلسلة من الانتفاضات بعد تمرد قام جنود محليون في البنغال اعتقدوا أن النوع الجديد من الخراطيش الذي قدم لهم كان مزيتاً بدهن حيواني تعتبره ديانتهم نجساً وتحرم عليه تداوله.

ثم تبعتها ثورات أخرى، وسرعان ما صار الحكم في شمال الهند في خطر، واجتذب المتمردون دعم هنود آخرين من مسلمين وهندوس على السواء، من الذين كانوا يخشون التحديث الذي جلبه البريطانيون وخطره على عاداتهم وتقاليدهم. كما انتهز بعض الحكام المحليين الهندوس والمسلمين هذه الفرصة من أجل محاولة استرداد استقلالهم، ولكن أكثر الهنود في القسم الأكبر من البلاد لم يشاركوا في هذه الحركة التي سميت تمرد الهند.

ورغم أن البريطانيين كانوا قلائل فقد ردوا على هذا التمرد بلا رحمة وبمساعدة الجنود الموالين لهم، ولقد زال الخطر خلال أشهر قليلة ومالبثت أن جاءت بعد ذلك العقوبات العنيفة، فخلع الإمبراطور المغولي الذي نادى به المتمردون قائداً لهم، وانتهى حكم شركة الهند الشرقية، وأصبح الحاكم العام نائباً للملك يرفع التقارير مباشرة إلى الحكومة في لندن. وسوف يظل الحكم البريطاني في الهند منذ ذلك الحين حتى نهايته بعد تسعين عاماً، وهو حكم التاج نفسه بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

لقد سبب هذا التمرد تطورات أخرى ربما ماكانت لتحدث من تلقاء نفسها، فرغم أن المتمردين لم يحرزوا أياً من أهدافهم المحافظة والرجعية، فإن تمردهم كان حاسماً من ناحية أنه سبب لدى البريطانيين خاصة المقيمين منهم في الهند صدمة لن ينسوها أبداً. ومنذ ذلك الوقت صار البريطانيون والهنود يعيشون حياتهم بشكل منفصل ولايشتركون إلا في شؤون العمل.

وصار البريطانيون يشعرون أن الهند بلد غريبة لايمكن فهمها، وأن شعبها ذو عقلية مثل عقلية الأطفال لايمكن الوثوق بها بل لابد من ضبطهم ولو بالقوة إذا اقتضى الأمر.

إلا أن هذا الأمر لايجوز أن ينسينا جود المئات من الإنكليز في الهند، ووجود الكثيرين منهم في حكومتها، وأنهم كانوا يدرسون لغاتها وثقافتها وحضارتها بشغف كبير، فالحقيقة أن العلماء البريطانيين هم الذين استهلوا الدراسة الجدية للهند الكلاسيكية.

كما أن التأثير المتبادل بين الهنود والبريطانيين سوف يستمر سواء شاء الطرفان أم أبيا، وكان لابد للعلاقات التجارية مع بريطانيا وبقية الإمبراطورية من أن تغير الحياة الاقتصادية في الهند رويداً رويداً. وإن الأفكار والمبادئ التي كانت تعلم في المدارس والمعاهد الهندية تمارس من قبل الإدارة قد ساهمت في تشكيل أفكار الكثيرين من شباب الهند حول المستقبل الذي يجب أن يكون لبلادهم، وكثيراً ماكانوا يتصورون هذا المستقبل بحسب المبادئ الأوروبية، بمؤسساتها السياسية الديمقراطية والتمثيلية، وكدولة مبنية على مفهوم القومية، وهو مفهوم غربي.

من الناحية الأخرى كان دور بريطانيا كدولة عظمى يتشكل بفعل القوة التي تقدمها لها الهند وبالضرورات الجديدة التي تفرضها، وقد قال أحد نواب الملك:" طالما أننا نحكم الهند فسوف نظل أكبر قوة في العالم، أما إذا خسرناها فسوف نهبط فوراً إلى قوة من الدرجة الثالثة".

ومن أجل الحفاظ على الهند آمنة سوف يتورط البريطانيون في اقتتال متواصل مع قبائل الحدود الشمالية الغربية، وفي فتح بلوشستان وكشمير، وفي صراعات دبلوماسية مع روسيا حول مسألة النفوذ في أفغانستان وهي مسألة كادت في إحدى مراحلها أن تسبب اندلاع حرب.

وفي ثمانينيات القرن التاسع عشر ضمت بورما من أجل حماية الهند من تقدم فرنسي محتمل من الهند الصينية، وبعد سنوات قليلة، أخذت دول ملقا للغرض نفسه، كما أرسلت حملة إلى لاسا في التبت في عام 1907 لضمان سلامتها من النفوذ الأجنبي.

وقد أثرت الهند بالطبع في تفكير البريطانيين الاستراتيجي نحو أفريقيا، إذ أنها واقعة على طريق البواخر عبر قناة السويس ورأس الرجاء الصالح.

كان حكم الهند يعني حكم 300 مليون نسمة في شبه القارة كلها ماعدا بعض الجيوب البرتغالية والفرنسية الصغيرة، وفي عام 1892 لم يكن هناك إلا 918 موظفاً أبيض للقيام بهذا العمل، وكان هناك في العادة جندي بريطاني واحد لكل 400 هندي. من الواضح إذاً أن حكم بريطانيا للهند لم يكن يعتمد على العدد، بل على أساسين آخرين: أولهما مشاركة الهنود ومساعدتهم ورضاهم من الناحيتين المدنية والعسكرية، وثانيهما عدم التدخل الزائد.

إذ أن البريطانيين صاروا بعد التمرد المذكور يخشون احتلال الأمن العام ويحرصون على ألا يتدخلوا كثيراً في تقاليد الهنود كيي لايعاودهم, لقد منعوا قتل الطفلات الصغيرات اللواتي كن يقتلن من قبل آبائهن من أجل التخلص من الحاجة إلى دفع البائنة (الدوطة) في المستقبل، ولكنهم لم يتدخلوا لمنع تزويج الأطفال، وقد نظموا حقوق الأمراء الهنود ودعموا حكمهم.

إلا أن العواقب الاقتصادية والثقافية للسلطة البريطانية كانت تغير الهند باستمرار بطرق سوف تجعل الحفاظ على الحكم البريطاني فيها أمراً صعباً في النهاية، قد قام الصناعيون والنقابيون العماليون البريطانيون من على بعد آلاف الأميال باستخدام البرلمان لإعاقة رجال الأعمال الهنود المتلهفين للاستفادة من أطول فترة حكم مستقر عرفتها الهند، وأزعج هذا الأمر التجار والمصنعين في الهند.

وكان الشباب الهنود من النخبة الهندوسية يدرسون في الجامعات البريطانية أو يدرسون المحاماة حسب المناهج الإنكليزية، وعندما يعودون إلى بلادهم كان يؤرقهم أن ينظر إليهم الإنكليز نفس النظرة المتعالية التي ينظرون بها إلى الهنود الآخرين، وكانوا يتساءلون لماذا لاتطبق مبادئ تساوي الفرص والديمقراطية في الهند أيضاً، وكان هذا الحقيقة دليلاً على نفوذ الحضارة البريطانية.

وهكذا راحت القومية الهندية تتبلور وتأخذ أشكالاً سياسية بتأثير هذه العوامل وغيرها، وكانت بعض القرى قد شجعت على هذا التطور بتأييدها للمزيد من الحكم الذاتي المحلي، ولكن هذا الوعي القومي حالت دونه الانقسامات بين الهندوس والمسلمين، فكان هذا من الأسباب التي أبقت قبضة الحكم البريطاني قوية في عام 1914؛ إلا أن القوى العاملة على تقويض ذلك الحكم مابرحت تتراكم.


 

 

 

 

بوابات المجتمع المحلي



البحث في البوابة

تابعونا على فيسبوك



إعلانات
يمكن للأساتذة الراغبين في المشاركة في إعداد الدروس الصوتية على موقع بوابة المجتمع المحلي لمختلف المواد الدرسية ولكافة الصفوف الاتصال بإدارة الموقع على عنوان البريد الالكتروني webmaster.reefnet@gmail.com