بوابة المجتمع المحلي

 
  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

المعرفة والتقنية

أرسل لصديقك طباعة

المعرفة والتقنية

لقد لعب تقدم المعرفة دوراً كبيراً في بناء نظام جديد، وكانت معرفة الأوروبيين بالجغرافية ميزة كبيرة بيدهم على حكومة الصين مثلاً، حتى في بداية القرن التاسع عشر كانت سواحل العالم وأشكال قاراته الأساسية معروفة عندئذٍ بصورة جيدة، ماعدا مناطق القطب الجنوبي.

وكان قسم كبير من أمريكا الشمالية قد استكشف، كما كان المستكشفون الإسبان والفرنسيون قد فتحوا منطقة الجنوب الغربي ورسموا الخرائط للبحيرات الكبرى ووادي الميسيسيبي قبل نهاية القرن السابع عشر، أما السهول الواقعة وراء الميسيسيبي ومنطقة الشمال الغربي فقد تركي لمستكشفي القرن التاسع عشر، وأعظم اسمين في هذه القصة هما لويس وكلارك اللذان تعقبا نهر ميسوري حتى منابعه بين عامي 1804-1806 ثم عبرا مرتفعات جبال روكي ونزلا نهري سنيك وكولومبيا حتى ساحل المحيط الهادي فيما كان يسمى أرض أوريغن.

كان الناس قد رأوا ذلك الساحل بما فيه لسان فانكوفر البحري من ناحية المحيط، ولكن هذا كان أول عبور بري إليه، وسرعان ما تبعهم التجار والمستوطنون إلى الشمال الغربي، ومع هذا بقيت مساحات كبيرة من سطح العالم مجهولة، فكانت هناك جزر كثيرة في امتدادات المحيط الهادي تنتظر من يكتشفها، كما بقي جزء كبير من داخل أفريقيا وأمريكا الجنوبية بل بعض أنحاء آسيا أيضاً غير مستكشفة، أما في عام 1914 فكانت الصورة قد تبدلت، وكانت الأراضي غير المستكشفة في العالم قليلة جداً.

أفريقيا

عند نهاية القرن الثامن عشر، كانت قد ابتدأت الجهود المتواصلة والمنظمة للوصول إلى أعماق أفريقيا، فقد وصل البريطانيون إلى جنوبي الصحراء الكبراء وإلى مناطق نهر النيجر، ويبدو أن رجلاً ألمانياً كان أول أوروبي يعبر الصحراء الكبرى- منذ الأزمنة الرومانية، وقد انطلق من القاهرة ومات قبل أن يصل إلى النيجر بقليل.

في هذه الأثناء انطلقت حملات أخرى من الساحل الغربي، كانت آخرها الحملة التي قام بها المستكشف الاسكتلندي العظيم مونغو بارك في عام 1805، والتي بينت الأخطار التي تترصد من يقوم بمحاولات كهذه، فقد شارك فيها أربعون أوروبياً انطلقوا من الساحل، لم يبق منهم أحياء عندما وصلوا على أعالي نهر النيجر إلا أحد عشر شخصاً، وعندما صارت البعثة جاهزة للعودة لم يبق إلا خمسة، وكان أحدهم قد أصيب بالجنون. ثم انطلقت هذه الحفنة الصغيرة من جديد، ولكنهم جميعاً قتلوا أو غرقوا في الطريق.

وبالرغم من هذا ظل المستكشفون يرحلون إلى أفريقيا، ففي عام 1828 وصل رجل فرنسي إلى طنجة من الجنوب، وكان بذلك أول أوروبي يزور تمبكتو ويعود سالماً وبعد سنوات قليلة وصل الناس إل مصب نهر النيجر لأول مرة من الداخل. وشيئاً فشيئاً صارت تتراكم المعرفة بالصحراء الكبرى وبالسهول الواقعة إلى الجنوب منها، وفي هذه الأثناء كانت تجري سلسلة من الحملات من الساحل الشرقي بحثاً عن منبع نهر النيل.

nile 

نهر النيل 

ليفينغستن

لقد ألهمت الحماسة الجغرافية والعلمية أكثر المستكشفين، ولكن أشهرهم كان المبشر الديني الاسكتلندي ديفيد ليفنغستن، كان هناك بعثات مسيحية كثيرة تعمل في أفريقيا عندما رسا ليفنغستن في جنوب القارة في عام 1841، ولكنه استحوذ على خيال مواطنيه وربط أفكار الحضارة الأوروبية بالتنصير في أفريقيا بصورة لامثيل لها، وقد أصبح بطلاً شعبياً حقيقياً.

لقد ذهب أولاً نحو الشمال باحثاً عن مواقع لمحطات تبشير جديدة، وبعد أن عبر صحراء كالاهاري مع زوجته وطفله ووصل إلى نهر الزامبير قرر أن يسير مسافة 1.500 ميل (2.400 كم) غرباً عبر أراضي مجهولة إلى المحيط الأطلسي، فبلغه عند لواندا في عام 1854، وقرر عندئذٍ أن يستدير ويقفل راجعاً، وقد عاد بالفعل.

وتلت ذلك رحلات كثيرة، في عام 1866 انضم ليفنغستن إلى عمليات البحث عن منابع النيل، وقد روعه ما رآه من مآسي سببها النخاسون العرب، كانت النخاسة قد منعت على الساحل الغربي منذ زمن بعيد باتفاق دولي وعبر القارة مرة ثانية سيراً على الأقدام متبعاً هذه المرة مجرى نهر الكونغو الأعلى نزولاً من المنطقة الواقعة إلى الغرب من بحيرة طنجنيقة.

وبينما كان يقوم بهذا المسير حصلت واحدة من أشهر الحوادث في تاريخ الاستكشاف قاطبة، هي لقاؤه في عام 1871، بالمراسل الصحفي الأمريكي هنري ستانلي ، الذي أرسل بحثاً عن هذا المستكشف الشهير، وإن أبلغ رواية لهذه القصة الشهيرة هي كلمات ستانلي نفسها إذ يقول: ”كنت أود أن أجري نحوه، ولكنني كنت جباناً في حضرة هذا الرجل، كنت أود أن أعانقه، ولكنني ما كنت أعلم كيف سيستقبلني. ففعلت عندئذٍ ما أملاه علي جبني وكبريائي الزائف، وسرت إليه بتؤدة، ونزعت قبعتي وقلت : الدكتور ليفيغستن، على ما أظن؟"

لقد توفي ليفنغستن في عام 1873 وهو ساجد يصلي في آخر رحلاته الرهيبة، وقام خدامه الأوفياء بدفن قلبه ثم حملوا جسده المحنط طوال أحد عشر شهراً في مسيرة ألف ميل حتى الساحل في ذلك الحين كان عصر استكشاف أفريقيا قد شارف على نهايته، وخلال سنوات قليلة رسمت خرائط دقيقة لأنهار النيجر والزامبيز والنيل والكونغو.

david_livingstone

ليفنغستن 

صحيح أن تفاصيل كثيرة لم تكن معروفة بعد، إلا أن عصر السكك الحديدية والطرق والتلغراف كان قد بزغ، وأخيراً راحت عتمة الجهل المكتنفة لأرض أفريقيا تنقشع بصورة متزايدة ومتسارعة عاماً بعد عام.

لقد استحوذ استكشاف أفريقيا على خيال الناس في أوروبا، والأمريكتين في القرن التاسع عشر لأسباب كثيرة ومتنوعة، وكان هناك الاندفاع لتنصير شعوب القارة الأصلية، وهذا ما جعل ليفنغستن يتمتع بجاذبية تشه جاذبية لاعبي كرة القدم أول المغنيين الشعبيين في أيامنا. وكانت هناك أيضاً مصلحة الأفراد والحكومات الذين يدعمون الحملات بحثاً عن الثروات الطبيعية التي تحتويها أفريقيا.

ثم كان هناك تأثير الحركة المناهضة للاسترقاق، وشعور الأوروبيين بالذنب تجاه أفريقيا بسبب الأضرار التي سببها النخاسون الأوروبيون في الماضي، حتى النافسات بين الدول كان لها دورها، إذ راحت الحكومات تسعى للحصول على معلومات يمكنها أن تبني عليها مطالبها بالأراضي أو بالنفوذ على الحكام الأفارقة. وكانت هذه العوامل تفعل فعلها أحياناً بصورة متسارعة، إذ كثيراً ما كانت الحكومات الأوروبية تسعى لبسط نفوذها في أفريقيا خوفاً من أن تسبقها إليها بلد أخرى.

استكشاف أستراليا

إن الدوافع المذكورة لاتنطبق على هذه الأرض الكبيرة التي كانت تنتظر استكشافها في عام 1801 أي قارة أستراليا، لقد كان عدد السكان الأصليين في أستراليا قليلاً نسبياً، كما أنهم كانوا أكثر تخلفاً في حضارتهم من شعوب أفريقيا، وحتى زمن متقدم من القرن التاسع عشر، لم يكتشف فيها الكثير من الموارد الطبيعية.

كانت أستراليا بعيدة عن أوروبا وعن أمريكا، ولم يدخلها أحد حتى نهاية القرن الثامن عشر، بينما كان الأوروبيون يعرفون جزءً كبيراً من سواحل أفريقيا قبل ذلك بزمن طويل، ولم يكن ثمة تنافس بين الدول فيها يدفع استكشافها إلى الأمام.

aus-hadi 

كان الأستراليون أنفسهم أهم مستكشفي قارتهم، وراحت حملاتهم تشق طريقها نحو الداخل ضمن صعوبات هائلة في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وكان الأمر شبيهاً باختراق غرب أمريكا الشمالية.

ولم تبدأ الهجمات الكبرى الأولى على الصحارى إلا بعد استيطان أستراليا الجنوبية وفكتوريا، ففي عامي 1840-1841 قام رجل إنكليز بمسير رهيب على طول الساحل الجنوبي الصحراوي للقارة، حتى ألباني في الغرب، ولكن القارة لم تعبر بصورة كاملة حتى عام 1860 عندما قطعت حملة مزودة بالجمال المستوردة للنقل المسافة من ملبورن حتى خليج كاربنتاريا في الشمال، ثم تم عبور آخر من آدليد إلى بورت داروين في عام 1862.

وبعد ذلك راحت خريطة أستراليا تكتمل رويداً رويداً، وقد ساهم الأستراليون الحقيقيون أي السكان الأصليين للبلاد في هذه العملية مساهمة كبيرة ولكنها منسية، فهم الذين كانوا يزودون المستكشفين بالمعرفة والمهارات الضرورية، مثل أماكن وجود الماء وطريقة استخراجه وأنواع اليرقانات التي تؤكل، وهذا ما مكنهم من البقاء على قيد الحياة.

القطب الشمالي والقطب الجنوبي

كانت منطقتا القطبين الشمالي والجنوبي مسرحين لجهود كبرى غيرها في مجال الاستكشاف في هذه المرحلة التي استحوذت على الاهتمام الشعبي. ولم يتوقف الناس عن الحلم بإمكانية العبور إلى آسيا عن طريق الالتفاف حول أمريكا الشمالية أو سيبيريا، وعادت الحكومة البريطانية فعرضت من جديد في عام 1818 جائزة مقدارها 20.00 جنيه لأول شخص يقوم بهذه الرحلة، فراحت محاولات المستكشفين تشد انتباه الناس إلى مسافات أبعد نحو الشمال.

وقد حاول ضابط بحري بريطاني أن يبلغ القطب الشمالي فوصل حتى خط 82ْ.45َ في عام 1827 منطلقاً من سبيتزبرغن، وظل هذا الإنجاز رقماً قياسياً طوال خمسين سنة مع أن رجلاً آخر وصل إلى القطب الشمالي المغناطيسي بعد أربع سنوات من ذلك، واستمرت في هذه الأثناء المحاولات للبحث عن ممر شمالي غربي، إلى أن دخل النرويجي أمندسن في عام 1906 مضيق بيرنغ للمرة الأولى بعد أن أبحر بسفينة عبر شمالي كندا وألاسكا.

ويبدو أن الأمريكي بيري قد سبقه إلى القطب الشمالي بعد بضع سنوات، ولكن هذا الأمر ليس مؤكداً تماماً، إلا أن أمندسن صار فيما بعد من أول الذين حلقوا فوق القطب الشمالي في طائرة، وذلك في عام 1926. وكان قد أحرز قبل هذا انتصار أعظم في قارة أنتاركتيكا.

كان كوك أول إنسان عبر بالسفينة دائرة أنتاركتيكا، وكانت حملة روسية هي أول من رأى اليابسة فيها في عام 1921، وقد وصل البحار البريطاني الكابتن روس إلى مسافة 710 أميال (1136)كم عن القطب الجنوبي ورسم الخريطة لألف ميل 1600 كم من ساحل أنتاركتيكا في عام 1842، وكان هذا أيضاً رقماً قياسياً استمر حتى نهاية القرن عندما استطاعت جماعة من المستكشفين أن تمضي أول شتاء في هذه القارة وقطعت مسافة أبعد نحو الجنوب على المزالج.

وصارت المعلومات تتراكم بصورة أسرع، واضطرت حملة سويدية أن تمضي شتاءين متتاليين في أنتاركتيكا قبل أن ينفذوها في عام 1903، وقد تم لها هذا الإنجاز بفضل سوء حظها، إذ أن الثلج قد حطم سفينتها وأغرقها.

وكانت الحملات عندئذٍ قد تسارعت، فوصل فريق بريطاني إلى مسافة 97 ميلا (155كم) عن القطب الجنوبي في عام 1909 قبل أن يرتد عائداً، وأخيراً بلغه أمندسن في عام 1911 في يوم 16 كانون الأول/ديسمبر ويمكننا اعتبار هذا التاريخ رمزاً لنهاية هذا العصر الكبير من الاستكشاف الذي ابتدأ في القرن الخامس عشر.


 

 

 

 

بوابات المجتمع المحلي



البحث في البوابة

تابعونا على فيسبوك



إعلانات
يمكن للسادة المحامين الراغبين بالمشاركة في المنتدى القانوني على موقع بوابة المجتمع المحلي زيارة المنتدى القانوني والتسجيل بشكل مباشر كما يمكنهم الاتصال بإدارة الموقع على عنوان البريد الالكتروني : webmaster.reefnet@gmail.com