بوابة المجتمع المحلي

 
  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size
الصفحة الرئيسية >> الفصل الثالث - أسس عالمنا >> إيطاليا والإتروريون*(الإتروسك)

إيطاليا والإتروريون*(الإتروسك)

أرسل لصديقك طباعة

إيطاليا والإتروريون*(الإتروسك)

لم يواجه الإغريق في الغرب أي إمبراطورية كبيرة، ولكن شغلتهم مدينة قرطاجة. كانت قرطاجة دولة مدينة في شمال أفريقيا أسسها الفينيقيون في حوالي عام 800 ق.م، ثم كبرت خلال بضعة قرون فصارت أعظم قوة وثروة من مدن الفينيقيين القديمة الواقعة على الساحل الشرقي للمتوسط مثل صور وصيدون**، وباتت تهدد الإغريق المقيمين في جنوب إيطاليا وصقيلية. أما على المدى الطويل فإن الخطر الآتي من الغرب إنما كان يكمن في الشمال، عندما كانت حركة الاستيطان الإغريقية جارية على قدم وساق لم تكن هناك على الهضاب المطلة على نهر تيفيرة (التيبر) إلا بضعة أكواخ للرعاة، ولكن موقعها هذا سوف يصبح عاصمة إمبراطورية قادمة، هي إمبراطورية روما. إن تأثير روما الكبير على التاريخ وولع الرومان بحبك روايات خيالية مثيرة حول أصولهم تجعل من الصعب أن تتخيل كم كانت بدايات قصتهم ضئيلة. تقول التقاليد إن روما مدينة تقوم على سبعة تلال، ويختلف علماء الآثار حول ما إذا كان تاريخ تأسيسها أقرب إلى عام 100 ق.م أو 800 ق.م، إلا أننا نعلم أن أبكر المستوطنات قد ظهرت على قمتي تلتين من التلال السبعة، وكان يسكنها رعاة أتوا إليها من المرتفعات المجاورة. ويبدو أن المراعي هناك كانت أفضل منها في القسم الداخلي البعيد عن البحر، وكان من السهل حماية هذين الموقعين، فضلاً عن وجود معبر مناسب لنهر تيفيرة، وهو في الحقيقة أخفض معبر يمكن اجتيازه قبل البحر.

chp3-3 

موقع إريتوريا في إيطاليا الحالية

صحيح أن هذا الموقع كان دوماً يؤهب المنطقة لأن تصبح مركزاً أساسياً للمواصلات، إلا أن تلك المستوطنات الصغيرة ما كانت لتصبح ذات شأن لولا وصول شعب نسميه الآن الشعب الإتروري، قبل عام 600 ق.م بقليل، وهو اسم مشتق من اسمهم اليوناني. مازال الأتروريون شعباً غامضاً، ويرجح أن يكونوا قد أتوا أولاً عبر البحر من البلقان في القرن العاشر، وربما انضم إليهم فيما بعد مهاجرون من آسيا الصغرى في حوالي عام 700 ق.م. وعندما انتقل الأتروريون إلى موقع روما كانوا بالتأكيد شعباً مزيجاً يعرف مهارات وثقافات غريبة عن إيطاليا في ذلك الزمان. ومنذ وصولهم إلى شبه الجزيرة الإيطالية كانوا ماهرين في شغل المعادن فاستغلوا مكامن خام الحديد الغنية في جزيرة إلبا وفي البر أيضاً.

مازلنا نجهل الكثير عن الإتروريين، ولكن يبدو أنهم كانوا يعيشون في اتحاد فضفاض من المدن التي يحكمها ملوك. وقد بلغ موطنهم إتروريا الذي كانوا يسيطرون عليه مساحة كبيرة تمتد من نهر البو في الشمال حتى السهل الساحلي إلى الجنوب من نهر تيفيرة. وكانوا يعرفون الكتابة وقد تبنوا الأبجدية الإغريقية من المدن الإغريقية في الجنوب على الأرجح، ولكن الكثير من نقوشهم مازالت غير مفهومة. وكانوا يعيشون في مدن إحداها مدينة كايرة* التي كان فيها حوالي 25000 نسمة في عام 600 ق.م أكثرهم من الإغريق، ولابد أن يكون وصولهم بأعداد كبيرة إلى روما قد بدل من طبيعة المكان. لقد شدد الرومان فيما بعد على فكرة المدينة والمواطن، وبدؤوا تقويمهم ad urba condiat أي (من تأسيس المدينة) الذي أرخ خطأ بعام 753 ق.م في التقويم المسيحي.  ولكن الرومان كانوا يدينوا للإتروريين بأشياء كثيرة غير هذه، فمن خلالهم تعرفوا على الحضارة الإغريقية، وعنهم ورثوا الأسطورة الإغريقية التي تقول إن إنياس بطل طروادة المذكور في الإلياذة قد هرب منها عند هزيمتها وأبحر غرباً ليؤسس مدينة روما. كما أن هناك عادات رومانية كثيرة مثل إقامة ألعاب المصارعة وارتداء ثوب التوغة وقراءة المستقبل أتت كلها من الإتروريين. ولقد تشكلت أهم معتقدات الرومان الدينية في الأزمة الإترورية أيضاً؛ حتى أنثى الذئب التي ظهرت في أسطورة رومولس وريمس عن تأسيس روما هي على الأرجح بقية من عبادة الإتروريين لهذا الحيوان. وربما كان اهتمام الرومان بتصريف المياه أيضاً شيئاً آخر تعلموه من الإتروريين.

كانت روما مدينة في بداية القرن السادس ق.م ومنذ ذلك الحين أو بعده بقليل لم يعد هناك شعبان يعيشان في المكان نفسه، ولو بقيت هناك لغتان ضمن المدينة بسبب امتزاج الإتروريين بالسكان السابقين الذين يدعون باللاتينيين أحياناً ، وعندما اكتمل هذا الامتزاج صار بإمكاننا أن نتحدث عن الرومان كشعب متميز. ومازالت السنوات مابين عام 600 و 500 ق.م غامضة جداً، وقد نسج الرومان فيما بعد أساطير كثيرة حولها، ولكن خلالها كانت روما قد اكتسبت مؤسسات عديدة سوف تستمر زمناً طويلاً جداً. إحدى هذه المؤسسات كانت مؤسسة لتجنيد المواطنين الإلزامي في الخدمة العسكرية، وقد كان من الواجب العسكري في الأيام الأولى لروما مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالحقوق المدنية. كما كانت هناك مؤسسة أخرى، وهي مؤسسة للحكم المقتصر على النبلاء Patricians، الذين أتت تسميتهم من مرتبتهم كأرباب أسرPatres.

 تقول التقاليد إن آخر ملك إتروري قد طرد في عام 510 ق.م، ولكن هذا التاريخ مغلوط بمقدار ثلاث أو أربع سنوات على الأرجح. ويمكننا أن نقول إن روما قد خرجت عندئذٍ من الشرنقة الإترورية. بينما كان الإتروريون يعانون الأمرين، فقد طردهم الإغريق من كمبانيا كما أخذوا منهم جزيرة ألبا. كانت روما دولة مدينة جديدة ظلت علاقاتها بالمدن الإترورية المجاورة علاقات ودية، لأنه كانت تواجه أخطاراً شديدة من جيرانٍ أخر، كما كانت طرق الاتصالات التي تسيطر عليها هامة لتجارة الإتروريين. إلا أن القرن الخامس ق.م قد شهد أيضاً بداية حقبة طويلة من الحرب بين روما والمدن الإترورية، وفي نفس الوقت تقريباً تظهر آخر علامات الوجود الإتروري في روما، مثل النقوش والبضائع التجارية. لقد كانت روما في ذلك الحين مستقلة استقلالاً حقيقياً، ولكن لم يكن فيها بعد ما يدل على ما ستبلغه في المستقبل من قوة عالمية.  


* إتروريا هو الاسم القديم لتوسكانا

** صيدا الحالية

* caere وهي اليوم تشيرفيتيري الواقعة على بعد 50 كم شمال غربي روما – الموسوعة البريطانية

 

بوابات المجتمع المحلي



البحث في البوابة

تابعونا على فيسبوك

كتاب موجز تاريخ العالم



إعلانات
ساهموا معنا في إغناء ذاكرة الريف السوري. يمكنكم الاطلاع على المحتوى الموجود والإضافة عليه. لمزيد من المعلومات يمكن الاتصال بإدارة الموقع على عنوان البريد الالكتروني: webmaster.reefnet@gmail.com