بوابة المجتمع المحلي

 
  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

الأباطرة الأخمينيون

أرسل لصديقك طباعة

الأباطرة الأخمينيون

كان قورش متحدراً من أسرة تسمى الأسرة الأخمينية، وهو أول رجل فارسي بقي في ذاكرة الأجيال كشخصية تاريخية عالمية اعترف بمكانتها الفاتحون الآخرون الذين سعوا للتشبه به في القرون التالية.  في عام 549 ق.م قهر قورش آخر ملوك الميديين المستقلين، فتمكن من صنع مملكة موحدة، ومنذ ذلك الحين راحت حدود الغزو تمتد إلى أن شملت أكبر إمبراطورية عرفت حتى ذلك الزمان. ولم يصعب على قورش أن يثبت حدوده إلا في الشرق، حيث عبر جبال هندوكوش وقتل أخيراً وهو يحارب السقيتيين، ويدين نجاحه بالكثير لغنى مملكته بالمعادن، خاصة بالحديد، كما أن المراعي العالية للوديان كان تحوي مؤونة وافرة من الخيل والخيالة. وكانت حكومته مختلفة الأسلوب عن سابقاتها، فلم يعد الفن الرسمي يعبر عن الافتخار بالأعمال الوحشية، بل كان قورش حريصاً على مراضاة رعاياه الجدد. وتجد بعض الأمور التي تدل على رغبته في مصالحتهم، فقد حاول التعويض عن استيلائه على ملكية بابل بالتضرع لحماية الإله مردوك، كما أنه استهل بناء المعهد في أورشليم للمرة الثالثة. ولم يطلب من حكام الولايات إلا جباية الجزية التي كانت تغذي خزانة فارس، وكانت ثمرة هذا كله إمبراطورية متنوعة ولكنها قوية.

ورغم أن هذه الإمبراطورية قد مرت بانتكاسات كثيرة فإنها ظلت طوال قرنين تقريباً إطاراً للشرق الأدنى، والذي استمر السلام فيه فترات طويلة لم يعهدها منذ زمن بعيد. وقد قام ابن قورش بضم مصر إلى إمبراطوريته، ولكن ظهر رجل ادعى الحق بالعرش وشجعت مساعيه الميديين والبابليين محاولة منهم لاستعادة استقلالهم، ومات ابن قورش قبل أن يتمكن من معالجة أمره. وكان الرجل الذي أحيى ميراث قورش شاباً ادعى أنه هو أيضاً من سلالة الأخمينيين، ألا وهو داريوس.

لقد حكم داريوس بين عامي 522-486 ق.م، ولم يحقق كل ما كان يصبو إليه، إلا أنه زاد الإمبراطورية اتساعاً على اتساع. لقد عجز مثلما عجز قورش من قبله عن إحراز تقدم ضد السقيتيين، ولكن أعماله ضاهت أعمال قورش العظيم نفسه. وقد نقش على الصرح الذي يخلد انتصاراته على المتمردين كتابة: "أنا داريوس الملك العظيم، ملك الملوك، ملك فارس"، وهو تكرار للقب أخميني متكبر قديم تبناه داريوس.  وازداد انتقال السلطة من المركز إلى الولايات مع تقسيم الإمبراطورية إلى عشرين ولاية، يحكم كلاً منها حاكم يسمى "مرزباناً" يكون أميراً من العائلة المالكة أو من كبار النبلاء. وكان هناك مفتشون ملكيون يراقبون عملهم أمانة سر ملكية تراسلهم. وصارت الآرامية لغة الإدارة. كان الحكم يعتمد على اتصالات لم يعرف خير منها فيما مضى، وقد بنيت طرق كان بالإمكان نقل الرسائل عبرها بسرعة 250 كم في اليوم أحياناً.

لقد وضع داريوس مخطط عاصمة جديدة في برسيبوليس حيث دفن في النهاية، وكان الغرض منها تقديم التمجيد العظيم للملك، وقد عكست تنوع الإمبراطورية وعالميتها. كانت العمالقة الآشورية والثيران والأسود ذوات الرؤوس البشرية تحرس بوابات برسيبوليس مثلما حرست بوابات نينوى من قبلها. أما عواميدها التزيينية  فهي اختراع مصري أخذته فارس عن طريق الحجارين والنحاتين الإيونيين، كما تجد تفاصيل إغريقية في النقوش البارزة وفي الزينة. وتجد مزيجاً مماثلاً من الملامح الأجنبية في المدافن الملكية القريبة التي تذكر بوادي الملوك في مصر. 

كانت الحضارة الفارسية منفتحة دوماً على التأثيرات الخارجية، وقد امتزجت الديانتان الفيدية والفارسية في قندهار Gandhara* وكلتاهما ديانة آرية. كان جوهر الديانة الفارسية هي القرابين، وكان محورها النار؛ وفي عصر داريوس كانت أكثر عباداتها الرسمية تقدماً قد تطورت إلى ما سمي بالزرادشتية، التي انتشرت بسرعة في غرب آسيا مع انتشار الحكم الفارسي. ولم تكن الزرادشتية على الأرجح إلا ديانة أقلية، ولكنها سوف تؤثر في كل من اليهودية وعبادات الأسرار التي تشكل جزءاً كبيراً من البيئة التي نشأت فيها المسيحية، فالملائكة في التقاليد المسيحية ونار جهنم التي تنتظر الأشرار قد أتت كلها من زرادشت مؤسس هذه الديانة. إلا أننا لا نعرف الكثير عنه، سوى أنه كان يعلم أن الأرض مكان صراع أبدي بين إله الخير هو إله النور وروح شريرة هي روح الظلام. وتوجد نصوص الزرادشتية المقدسة في مجموعة تسمى الأفيستا أو الزندأفيستا، ومازالت تستخدمها الجماعة البارسية The parsee community في الهند والتي يشتق اسمها من نفس الكلمة التي يشتق منها اسم فارس Persia.

لقد ضمت فارس بسرعة عدداً أكبر من الشعوب في تجربة مشتركة، وللمرة الأولى صار الهنود والميديون والبابليون والليديون والإغريق واليهود والفينيقيون والمصريون تحت حكم إمبراطورية واحدة، وكان المرتزقة الهنود يقاتلون في الجيوش الفارسية مثلما قاتل المرتزقة الإغريق في جيوش مصر من قبل.  وكان الناس يعيشون في مدن في كافة أنحاء الشرق الأدنى، وحول قسم كبير من البحر المتوسط، ويشتركون بمعرفة الكتابة التي صارت تدون الآن بأبجديات كثيرة. أما التقنيات الزراعية والتعدينية فقد امتدت أبعد من هذا، فنقل الأخمينيون مهارات الري من بابل إلى آسيا الوسطى، كما جلبوا الأرز من الهند ليزرعون في الشرق الأدنى. وعندما تبنى الإغريق الآسيويون عملة نقدية كانت مبنية على الترقيم الستيني البابلي وضمن هذا التنوع الغني تستطيع تمييز بدايات الحضارة العالمية المقبلة، وقد آن الأوان للحديث عن الذين رسموا أسسها، ألا وهم الإغريق.  


* الإسم القديم لقندهار Kandahar

 

بوابات المجتمع المحلي



البحث في البوابة

تابعونا على فيسبوك

كتاب موجز تاريخ العالم



إعلانات
يمكن للأساتذة الراغبين في المشاركة في إعداد الدروس الصوتية على موقع بوابة المجتمع المحلي لمختلف المواد الدرسية ولكافة الصفوف الاتصال بإدارة الموقع على عنوان البريد الالكتروني webmaster.reefnet@gmail.com