بوابة المجتمع المحلي

 
  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size
الصفحة الرئيسية >> الفصل الثالث - أسس عالمنا >> أولى الديانات التوحيدية

أولى الديانات التوحيدية

أرسل لصديقك طباعة

أولى الديانات التوحيدية

إن رغبة يهوه بألا يعبد سواه هي التي مهدت الطريق أمام التوحيد، فجاء زمان لم يعد فيه أبناء إسرائيل يشعرون بأي احترام نحو الآلهة الأخرى. ولم يقتصر الأمر على هذا، بل كانت طبيعة يهوه متميزة منذ زمن باكر، وكان المظهر البارز لعبادته هو ألا تصنع له أية صورة محفورة. كان يظهر أحياناً مثل آلهة أخرى في مكان إقامة دائم مثل معبد مصنوع باليد، أو حتى في تظاهرات الطبيعة، ولكن مع تطور ديانة إسرائيل صار يهو يعتبر إلها متسامياً وكلي الوجود: ”أين أذهب من روحك، وأين أهرب من وجهك؟” (المزمور 139/7)*كما كانت أعمال يهوه الخلاقة صفة أخرى تميز التقاليد اليهودية تميزاً حاداً عن تقاليد بلاد الرافدين الأسبق. صحيح أن كليهما يصور أصول الإنسان من هيولى مائية، إذ يقول سفر التكوين:” وكانت الأرض خاوية خالية، وعلى وجه الغمر ظلام”**، ولكن عند أهل بلاد الرافدين كانت هناك في الأصل مادة ما وكل ما فعلته الآلهة إنما هو إعادة ترتيبها، أما عند العبرانيين فكان الأمر مختلفاً لأن يهوه قد خلق الهيولى نفسها. كان يهوه عند إسرائيل هو ما وصفته المعتقدات المسيحية اللاحقة، بـ” صانع كل شيء، الذي به صنعت الأشياء كلها”. وقد صنع الإنسان على صورته وكرفيق له لا كعبد، فكان الإنسان ذروة كشف يهوه عن طاقته الخلاقة، وكائناً قادراً على معرفة الخير من الشر، مثل يهوه نفسه، ويعيش في عالم تحكمه أخلاق وضعتها طبيعة يهوه، لأنه وحده صانع الحق والعدل.

تتضمن هذه الأفكار أشياء سوف تحتاج قروناً طويلة لكي تتضح وتبزغ، من بعد أن كانت في البداية مغمورة ضمن خرافات مجتمع قبلي يبحث عن تأييد إلهه في الحروب والنكبات. لقد شددت التقاليد اليهودية اللاحقة تشديداُ كبيراً على الهجرة العجائبية من مصر، وهي قصة تسيطر عليها شخصية بطل غامض هو موسى.  وكانوا العبرانيون عندما وصلوا إلى كنعان مجمعين على الأرجح حول عبادة يهوه، ويبدو أن قصة الكتاب المقدس التي تروي تجوالهم في سيناء تعكس الزمن الحاسم الذي صيغ فيه وعيهم القومي الأول هذا. ولكن مرة أخرى ليس بين أيدينا سوى تقاليد الكتاب المقدس التي دونت بعد ذلك بزمن طويل. من المعقول أن يكون العبرانيون قد هربوا أخيراً من الظلم القاسي في بلد أجنبية حيث كانت تفرض عليهم أعباء السخرة من أجل تنفيذ أشغال البناء الكبرى. إن اسم موسى هو اسم مصري، ومن المحتمل أن تكون هناك شخصية تاريخية وراء هذا القائد الأسطوري العظيم الذي يسيطر على قصة الهجرة في الكتاب المقدس ويجمع شمل العبرانيين في البرية. في الرواية التقليدية يؤسس موسى القانون عندما ينزل بالوصايا العشر بعد مقابلته ليهوه، وقد كانت هذه مناسبة تجديد للعهد بين يهوه وشعبه في جبل سيناء، ولعلها تمثل عودة هذا الشعب البدوي إلى تقاليده بعد أن تآكلت عبادته بالإقامة الطويلة في دلتا النيل، إلا أن الوصايا نفسها لا يمكن أن تنسب إلا لزمن متأخر جداً عن زمن حياة موسى.

بالرغم من هذا يجب علينا أن نعامل رواية الكتاب المقدس باحترام لأن فيها أشياء كثيرة يمكن ربطها بمصادر أخرى، وأخيراً يأتي عالم الآثار لنجدة المؤرخ مع وصول العبرانيين إلى كنعان. إن قصة الفتح المروية في كتاب يشوع تتناسب مع الأدلة التي نملكها على خراب المدن الكنعانية في القرن الثالث عشر ق.م، كما أن ما نعرفه عن الثقافة والديانة الكنعانية يتوافق مع رواية الكتاب المقدس عن صراعات العبرانيين ضد العبادات المحلية وتعدد الآلهة المتفشي في كل مكان. وقد بقي هذان التقليدان الدينيان يتنازعان فلسطين طوال القرن الثاني عشر ق.م، ويبدو أيضاً أن العبرانيين قد اجتذبوا دعم قبائل بدوية أخرى قبلت عبادة يهوه، ورغم أنها بقيت تتنازع فيما بينها بعد استقرارها فقد ظلت على عبادته، فكان هو القوة الوحيدة التي تؤلف بينها، لأن التقسيمات القبلية كانت المؤسسات السياسية الوحيدة عند شعب إسرائيل.  


* ترجمة دار المشرق - بيروت

** نفس المصدر السابق

 

بوابات المجتمع المحلي



البحث في البوابة

تابعونا على فيسبوك

كتاب موجز تاريخ العالم



إعلانات
يمكن للسادة المحامين الراغبين بالمشاركة في المنتدى القانوني على موقع بوابة المجتمع المحلي زيارة المنتدى القانوني والتسجيل بشكل مباشر كما يمكنهم الاتصال بإدارة الموقع على عنوان البريد الالكتروني : webmaster.reefnet@gmail.com