بوابة المجتمع المحلي

 
  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size
الصفحة الرئيسية >> الفصل الثالث - أسس عالمنا >> الإمبراطوريات والشعوب في بر الشرق الأدنى

الإمبراطوريات والشعوب في بر الشرق الأدنى

أرسل لصديقك طباعة

الإمبراطوريات والشعوب في بر الشرق الأدنى

في تلك الأثناء بقيت قصة الشرق الأدنى لزمن طويل قصة صراعات على ثروة تزداد رويداً رويداً في أبرز منطقة زراعية في العالم القديم، ولم يكن في الصحارى والسهوب من حولها موارد تقارن بما فيها. وما انفك الغزاة يأتون الواحد بعد الآخر يدفعهم الحسد والجشع، فيتركون وراءهم أحياناً جماعات جديدة، ويؤسسون أحياناً دولاً جديدة تحل محل الدول التي أطاحوا بها. ولم يكن الناس في تلك الأزمنة المضطربة قادرين على فهم ما يجري، بل كانت المصائب تحل بهم من حيث لا يدرون، فتحرق بيوتهم أو تغتصب زوجاتهم وبناتهم أو يؤخذ أبناءهم أرقاء. أو قد تكون المتاعب أهون من هذا، كأن يأتي حاكم جديد يفرض عليهم ضرائب أعلى، ولا ريب أن أحداثاً كهذه تسبب هزات كبيرة. ولكن من ناحية أخرى لابد أن يكون الملايين من الناس قد عاشوا في تلك الأزمان من دون أن يشعروا بتغير هام في حياتهم، إلا أن يصل إلى قريتهم أول سيف أو منجل حديدي، ومن دون أن يساورهم أدنى شك بالأفكار والمؤسسات التي ظلت على حالها أجيالاً كثيرة. لقد كان الغزاة يواجهون مراكز راسخة في الحكم والسكان، وبنى سياسية قوية ومديدة، وتنظيمات هرمية كثيرة من المختصين بشؤون الإدارة والدين والمعرفة، لذلك لم يكن بإمكانهم أن يقضوا عليها مثلما قضى الغزاة على البنى التي كانت قائمة في منطقة بحر إيجة. لاريب أن هذه المنطقة قد عرفت مقداراً كبيراً من الدينامية والعنف أثناء انتقالها من عصر البرونز إلى عصر الحديد، ولكن لا يجوز أن نبالغ في تأثير هذه العوامل على البنى الراسخة.

الحثيون

نحو بداية الألف الثانية ق.م وصل شعب هندي أوروبي آخر هو الشعب الحثي إلى آسيا الصغرى، واستقر في الأناضول بينما كانت الحضارة المينوية تبلغ أعظم انتصاراتها. ولم يكن الحثيون شعباً بدائياً، بل كان لهم نظام قضائي خاص بهم، وسرعان ما تعلموا الكثير من بابل، وقد نعموا باحتكار طويل للحديد في آسيا، وبفضل هذا المعدن فضلاً عن مهارتهم في التحصين والتحكم بالعربة صاروا وبالاً على مصر وبلاد الرافدين. لقد شنوا على بابل غارة قصمت ظهرها في حوالي عام 1590 ق.م، وكانت تلك أعلى ذروة بلغتها الإمبراطورية الحثية الأولى، ثم مروا بمرحلة غامضة من الانحسار قبل أن تعود قوتهم لتبزغ من جديد في النصف الأول من القرن الرابع عشر، وامتدت هيمنتهم لفترة من الزمن من سواحل المتوسط إلى الخليج الفارسي، فسيطروا على الهلال الخصيب كله ماعدا مصر. إلا أن إمبراطوريتهم انهارت مثل غيرها من الإمبراطوريات القديمة، وكانت نهايتها حوالي عام 1200 ق.م.

ولم يعد الحثيون في ذلك الحين ينعمون باحتكار الحديد، بل إن استخدامه كان قد شاع بحلول عام 1000 ق.م، في كافة أنحاء الشرق الأدنى، ولاريب أن انتشاره هذا قد تم بفضل قدوم موجات جديدة من الشعوب الهندية الأوروبية التي راحت ترمي الاضطراب في كل مكان. ونلاحظ تقارباً واضحاً بين زمن انهيار آخر قوة حثية على يد شعب من تراقيا اسمه الشعب الفريجي، وبين هجمات شعوب البحر المدونة في السجلات المصرية. لقد كانت شعوب البحر هذه علامة جديدة من علامات الاضطراب، فقد كانوا مسلحين بالحديد، وراحوا منذ بداية القرن الثاني عشر ق.م يغزون شرق المتوسط مخربين المدن في سوريا وساحل بلاد الشام، وربما كان بعضهم لاجئين من ميقينية، إذ كان هناك أخائيون بين الذين اشتركوا في الهجمات على مصر عند نهاية القرن، ويبدو الآن أن غزوة قاموا بها في حوالي 1200 ق.م هي التي خلدت باسم حصار طروادة. ثمة جماعة من تلك الشعوب الهائمة استقرت في كنعان، أي في الأرض الواقعة بين البحر الميت والغرب في حوالي عام 1175ق.م، ومازالت ذكراهم محفوظة في اسم حديث مشتق من اسمهم هو فلسطين*. بيد أن أكبر ضحايا شعوب البحر هذه إنما كانت مصر، بل إنهم قد نجحوا في إحدى المرات في انتزاع دلتا النيل من قبضة فرعون.

لقد كانت مصر تعيش أياماً عصيبة في بداية القرن الحادي عشر، فتمزقت لفترة من الزمن وراحت تتنازعها مملكتان. ولم تكن شعوب البحر عدوها الوحيد، إذ يبدو أن أسطولاً ليبياً قد غزا الدلتا، كما نشأت في السودان مملكة مستقلة في حوالي عام 1000 ق.م سوف تكون مصدر متاعب في المستقبل، ولو أن المصاعب لم تكن قد ظهرت على حدود النوبة بعد. وهكذا كانت موجات الشعوب البربرية تبلي البنى الإمبراطورية القديمة مثلما أبلت اليونان الميقينية من قبلها.

العبرانيون

في خضم هذه الاضطرابات كلها وقع في الغالب حدث لا نعرف تاريخه ولا نعلم عنه إلا من خلال تقاليد دونت بعدة قرون عديدة. هذا الحدث هو هروب شعب من مصر كان المصريون يسمونهم العبرانيون، وصار العالم بعد ذلك بزمن طويل يسميهم يهوداً. ولا تجد شعباً استطاع بمثل هذه الأصول الزهيدة والأعداد الضئيلة أن يحدث مثل تأثيرهم الكبير في التاريخ، فالحقيقة أن ميراث اليهود سوف يغير العالم.

تعود أصول هذا الشعب إلى الشعوب السامية، وهي شعوب بدوية من شبه الجزيرة العربية لا نعرف عنها الكثير، كان أجدادها عبارة عن قبائل مختلفة تتغلغل في منطقة الهلال الخصيب منذ أزمنة ما قبل التاريخ. ويبدأ تاريخ اليهود التقليدي بعصر الآباء الأولين، الذي تجسده قصص الكتاب المقدس عن إبراهيم وإسحق ويعقوب، ويحتمل أن تكون أصول هذه الشخصيات الأسطورية العملاقة رجالاً حقيقيين. فإذا وجدوا بالفعل فإن تاريخهم يبدأ في نحو عام 1800 ق.م، ضمن الاضطراب الذي حل بعد نهاية أور، التي يخبرنا العهد القديم أن إبراهيم قد أتى منها إلى كنعان، وهي قصة معقولة تماماً. وقد صار أحفاد إبراهيم يعرفون في النهاية بالعبرانيين، وهو تحريف لكلمة تعني الهائمين تظهر للمرة الأولى في الكتابات والنقوش المصرية في القرن الرابع عشر أو الثالث عشر ق.م، أي بعد استقرارهم الأول في كنعان بزمن طويل. إن تسمية العبرانيين هي على الأرجح أفضل تسمية نطلقها على القبائل التي نتحدث عنها الآن، أما تسمية اليهود فيفضل الاحتفاظ بها لمرحلة لاحقة.

يصور الكتاب المقدس شعب إبراهيم في البداية بصورة قبائل من الرعاة تتنازع مع جيرانها وأقربائها على الآبار والمراعي، وماتزال ضعيفة يدفعها القحط والجوع في أرجاء الشرق الأدنى. ولا يمكن أن يكون لديها ما يميزها عن سواها من قبائل البدو الرحل. ثمة مجموعة منهم في الكتاب المقدس تسمى عائلة يعقوب يحكى أنها رحلت إلى مصر ربما في بداية القرن السابع عشر ق,م، ومع تقدم القصة نتعرف على يوسف، الابن العظيم ليعقوب، الذي بلغ مرتبة عالية في خدمة فرعون. فإذا رجعنا إلى السجلات المصرية وجدناها تشير إلى حدوث اضطرابات واسعة أثناء سيطرة الهكسوس، ربما تفسر بلوغ رجل أجنبي مثل هذه المكانة البارزة في البيروقراطية المصرية، لأن هذا الأمر لم يكن مألوفاً في الأزمنة العادية. ولكن من المؤسف أن لا دليل يؤكد هذه القصة أو ينفيها، إذ ليس بين يدينا إلا التقاليد، كما هي الحال في كافة التاريخ العبري حتى عام 1200 ق.م تقريباً. ولكن كتب العهد القديم التي تروي هذه التقاليد لم تأخذ شكلها الحالي حتى القرن السابع ق.م أي ربما بعد ثمانمائة سنة من قصة يوسف، وإن فيها عناصر أقدم حتى من ذلك. وما كان شيء من هذا ليهم أحداً من الباحثين سوى اليهود، لو لم تقع فيما بعد أحداث تكمن جذورها في الرؤية الدينية الفريدة لهذا الشعب الصغير، الذي يصعب تمييزه عن غيره من شعوب المنطقة.

كان العبرانيون على ما نعلم أول شعب توصل إلى مفهوم مجرد الله بل إنهم صاروا يمنعون صنع صور تمثله، لقد كانت تجري في الشرق الأدنى القديم أحداث معاصرة تقريباً قيل إنها جعلت الرؤى الدينية التوحيدية أكثر جاذبية، وهو رأي معقول جداً، إذ راحت الاضطرابات والكوارث الكبرى تحل بشعوب المنطقة المرة تلو المرة من بعد الإمبراطورية البابلية الأولى، ولابد أن يكون هذا الأمر قد أوهن الثقة بحماية الآلهة المحلية. وقد اعتبرت كل من تجديدات أخناتون الدينية والتشديد المتزايد على عبادة مردوك في بلاد الرافدين محاولات استجابة لهذه التغيرات. إلا أن العبرانيين وحدهم قد توصلوا إلى توحيد متماسك لا مهادنة فيه، اكتملت عناصره الأساسية في القرن الثامن ق.م. كانت أولى الديانات العبرية تؤمن على الأرجح بوجود آلهة عديدة مثلها مثل غيرها من الشعوب السامية، ولكنها أحادية العبادة، أي أن القبائل العبرانية كانت تعبد إلهاً واحداً فقط هو إلهها الخاص. ثم تطور ذلك الأمر إلى فكرة أن شعب إسرائيل، وهو الاسم الذي صار يعرف به سبط يعقوب، يدين بالولاء الحصري لإله سبطه يهوه. كان يهوه إلهاً غيوراً، عقد عهداً مع شعبه بأن يعيده إلى الأرض الموعودة، إلى كنعان التي كان قد أتى إليها بإبراهيم من أور. وكانت فكرة العهد هذه فكرة رئيسية جداً طمأنت إسرائيل على أنها إذا حققت أمراً معيناً فسوف تنال النتيجة التي تبغيها.

   

* يقصد الفلسطينيين القدامى the philistines

 

بوابات المجتمع المحلي



البحث في البوابة

تابعونا على فيسبوك

كتاب موجز تاريخ العالم



إعلانات
يمكن للسادة المحامين الراغبين بالمشاركة في المنتدى القانوني على موقع بوابة المجتمع المحلي زيارة المنتدى القانوني والتسجيل بشكل مباشر كما يمكنهم الاتصال بإدارة الموقع على عنوان البريد الالكتروني : webmaster.reefnet@gmail.com