بوابة المجتمع المحلي

 
  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

الحرب والتقنية

أرسل لصديقك طباعة

 

الحرب والتقنية

يشمل تطور الحضارة أيضاً انتقال التقنية، وهي قوة أخرى محررة ومحرضة في الوقت نفسه، وليس من الغريب أن تظهر التقنية أولاً في مجال الحرب، إذ يبدو أن السعي نحو التفوق في الأمور العسكرية هو ميل ثابت في سلوك البشر. لقد غيرت عربات الهنود الأوروبيين وخيولهم طبيعة العمليات العسكرية في كافة أنحاء الشرق الأدنى، صحيح أنك ترى المحاربين السومريين مصورين وهم يتجولون في عربات فظة ذات أربع عجلات تجرها الحمير، ولكنها لم تكن على الأرجح إلا وسيلة لنقل القادة أو إيصالهم إلى قلب المعمعة حيث يقاتلون بالرمح والفأس، أما عربة الحرب الحقيقية فهي ذات عجلتين وتجرها الخيول، ويكون فيها عادة طاقم مؤلف من رجلين، أحدهما يقودها والآخر يستخدمها منصة لقذف الأسلحة، خاصة قذف السهام بواسطة القوس. لقد كان القسيون وهم من أصل هندي أوروبي أول شعب نعلم أنه استخدم هذا الشكل من القتال، وكانوا يعتمدون على المراعي العالية إلى الشمال والشرق من الهلال الخصيب حيث تكثر الخيول، أما في وديان الأنهار فقد بقيت نادرة الخيل، التي كانت تحفاً ثمينة يعتز بها الملوك وكبار القادة. وقد تغيرت الحرب كثيراً بركوب الخيل، وهي مهارة أتت من مرتفعات إيران، ربما كانت معروفة هناك منذ عام 2000 ق.م، ثم انتشرت عبر الشرق الأدنى وبحر إيجة خلال الألف التالية. والخيال الحقيقي لا يتحول عن فرسه فحسب بل يقاتل من على ظهرها أيضاً، وإن التحكم بالخيل والقوس أو الرمح في الوقت نفسه هو فن صعب استغرق زمناً طويلاً لكي يتطور، أما الخيال المدرع الذي يهاجم هدفه ويهيمن على الجنود المشاة بوزنه وزخم اندفاعه فلم يظهر إلا بعد ذلك بزمن طويل.

وقد ظهرت الخيالة والعربات أخيراً في جيوش كافة الممالك الكبرى في الشرق الأدنى. وخلال الألف الثانية ق.م صارت بعض أجزاء العربة تصنع من الحديد، خاصة عجلاتها التي كانت تطوق بأطر من هذا المعدن، أما الميزات العسكرية الأخرى للحديد كمادة للأسلحة فهي واضحة. وقد انتشر استخدامه انتشاراً سريعاً عبر الشرق الأدنى وخارجه، بالرغم من أن الذين استخدموه للمرة الأولى في الأناضول قد حاولوا الاستئثار به. لقد كان خام الحديد على قلته أكثر وفرة من النحاس أو القصدير، ومنذ القرن السابع ق.م كان يستخدم لصناعة الأسلحة في قبرص، ويقول بعضهم إن الفولاذ كان يصنع هناك أيضاً ثم انتقل إلى بحر إيجة بعد عام 1000 ق.م بقليل، ويمكننا اعتبار تاريخ 1000 ق.م هذا فاصلاً تقريباً بين عصري البرونز والحديد، ولو أنه ليس أكثر من طريقة مفيدة للتذكر، إذ إن بعض أنحاء ما نسميه ” العالم المتحضر” قد ظلت تعيش في ثقافة عصر البرونز، الذي استمر حتى وقت متقدم من الألف الأولى ق.م وكذلك العصر النيوليتي في أماكن أخرى، ولم يختف إلا بصورة بطيئة ومتدرجة، والحقيقة أن الحديد قد ظل لزمن طويل معدناً نادراً لا يكفي حاجات الجميع.

فروق جديدة

لا تفيدنا التقنية كثيراً في وضع تسلسل زمني عندما يسير التاريخ وما قبل التاريخ جنباً إلى جنب، ولكن لا حاجة لأن يعكرنا هذا الأمر. صحيح أن بعض التواريخ واضحة في قصة الدول والإمبراطوريات، ولكن يفضل ألا نركز عليها كثيراً، لأن الأهم هو الاتجاه العام، وهذا الاتجاه واضح، وله في الوقت نفسه وجهان متعاكسان. فرغم أن الشعوب والمناطق المختلفة كانت تزداد اتصالاً بعضها ببعض، واشتراكاً في أمور كثيرة، فقد كانت أيضاً تزداد تميزاً إحداها عن الأخرى، وكانت القبائل والشعوب تكتسب هويات أكثر رسوخاً مع تبلور حكوماتها في أشكال ومؤسسات مستمرة كثيراً ما كانت مرتبطة بالدين. ورغم أن انحلال الإمبراطوريات إلى وحدات أصغر قابلة للحياة هي قصة مألوفة ، منذ سومر حتى الأزمنة الحديثة، فإن بعض المناطق تعود لتبزغ مرة تلو المرة كنوى ثابتة لتقاليد متميزة، ومنذ الألف الثانية ق.م كانت بعض البنى تزداد تماسكاً وقدرة على البقاء، وعندئذٍ تصبح المؤسسات أكثر خصوصية وتميزاً عن الصفات العامة التي كانت تشترك بها كل الحضارات الباكرة. أي أنه رغم وجود عالمية جديدة فإن المجتمعات كانت تسلك ضمنها دروباً متباينة جداً.

وصارت هناك مجالات جديدة للتمايز، لقد ساعدت الكتابة على تثبيت التقاليد وتعزيز شعور الجماعة بأنها جماعة متميزة. أما الفن فكان قد رسخ قدميه قبل أن تبدأ الحضارة، ولعله ابتدأ كنشاط مستقل غير مرتبط بالدين أو السحر بالضرورة، ولو أنه كثيراً ما ظل مرتبطاً بهما، ثم صارت أساليبه تأخذ أشكالاً تتباين من مكان إلى آخر. ونشأت أيضاً نشاطات ترفيهية مختلفة من بلد إلى آخر، فظهرت رقع الألعاب في بلاد الرافدين ومصر وكريت، وصار الملوك والنبلاء في كل مكان يمارسون رياضة الصيد بشغف كبير، ويأتون بالموسيقيين والراقصين للترويح عن أنفسهم في قصورهم. ويبدو أن الملاكمة قد صارت رياضة شعبية للمرة الأولى في جزيرة كريت خلال عصر البرونز، حيث كان الناس يمارسون أيضاً رياضة القفز على الثيران، وهي رياضة فريدة يبدو أنها كانت شكلاً من أشكال الطقوس.

 

 

 

بوابات المجتمع المحلي



البحث في البوابة

تابعونا على فيسبوك

كتاب موجز تاريخ العالم



إعلانات
يمكن للأساتذة الراغبين في المشاركة في إعداد الدروس الصوتية على موقع بوابة المجتمع المحلي لمختلف المواد الدرسية ولكافة الصفوف الاتصال بإدارة الموقع على عنوان البريد الالكتروني webmaster.reefnet@gmail.com