بوابة المجتمع المحلي

 
  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size
الصفحة الرئيسية

الجمهورية الباكرة

أرسل لصديقك طباعة

الجمهورية الباكرة

لقد تغيرت روما كثيراً خلال تلك القرون التي بنيت فيها الإمبراطورية، وكان أول قرنين من عمر الجمهورية مليئة بالصراعات السياسية العنيفة، وكان سببها أحياناً مطالبة المواطنين الفقراء بالمشاركة في السلطة إلى جانب الأغنياء والنبلاء. كان هؤلاء يسيطرون على مجلس الشيوخ، وهو جهاز الحكم الأساسي، كما تبين الأحرف المنقوشة على الصروح وعلى رايات الجيش SPQR وهي الأحرف الأولى من عبارة لاتينية معناها مجلس شيوخ روما وشعبها. والغريب أن هذه الصراعات استمرت زمناً طويلاً من دون أن تلحق بالجمهورية ضرراً قاتلاً، ويدل هذا دلالة كبيرة على أن مؤسساتها كانت تتغير رويداً رويداً مع تقديمها التنازلات للقوى الشعبية.  ولكن رغم أن المواطنين الفقراء أحرزوا انتصارات كبيرة ونالوا حصة أكبر من غنائم السلطة فإن روما لم تصبح قط ديمقراطية بمعنى أن يسيطر فيها الفقراء على الحكم زمناً طويلاً.

وبقي المواطن الروماني العادي فلاحاً يزرع أرضه الصغيرة مستفيداً من المناخ والخصب الرائعين اللذين جعلا إيطاليا دوماً بلداً غنية عندما تحكم بصورة جيدة، بل حتى عندما لا تحكم بصورة جيدة أحياناً. وكان الفلاح يتصف بالكد والمهارة اللذين ميزا الإيطاليين في زمن لاحق، وكانت زراعته هي أساس الجمهورية الباكرة، ولم تكن روما في الأيام الأولى للجمهورية قد أصبحت بعد مدينة كبيرة تعيش على الحبوب المستوردة ومليئة بأعداد هائلة من المهاجرين كما أصبحت في القرون القادمة.  كان الروماني العادي يملك أرضاً صغيرة إذاً كما أنه كان مستقلاً، ولم تنتشر ظاهرة الأملاك الكبيرة التي يملكها سكان المدن وتعتمد على عمل العبيد لزراعة الحبوب والزيتون لصنع الزيت من أجل بيعها إلا في القرن الثاني ق.م. وحتى نهاية هذه القصة سوف ينظر الرومان بحنين إلى الأيام البسيطة للجمهورية الباكرة على أنها الأزمنة التي كان فيها المواطن متمسكاً بالقيم والفضائل الرومانية ويعيش مستقلاً بالاعتماد على قطعة الأرض التي يملكها.

إن هذا الأساس الزراعي الضيق يجعل من الصعب تفسير المرحلة الأولى من توسع روما، وليس من العدل أن نقول أن الرومان كانوا دوماُ عدوانيين ومتلهفين للغزو، إذ كثيراً ما كان حكم روما مثل الإمبراطوريات اللاحقة يمتد بسبب الخوف من الجيران والمنافسين وليس بسبب الجشع، كما أن هذا التوسع كان بطيئاً. صحيح أن مساحة أرض روما قد تضاعفت بقدر مثلين على حساب جيرانها في القرن الخامس، وأن سيطرة الرومان قد حلت محل سلطة الإتروريين في وسط إيطاليا، إلا أن هذه لم تكن بعد بداية نموها المتواصل. في عام 390 ق.م نهب غاليون من الشمال روما نفسها وهذه هي المناسبة المشهورة التي تقول الأسطورة أن الرومان التجأوا فيها إلى مبنى الكابيتول حيث أنقذهم من الهجوم المباغت صياح الإوز التي لاحظت ما كان يجري وكل على حال كان الرومان في حوالي عام 250 ق.م يسيطرون على إيطاليا إلى الجنوب من نهر الأرنو، وكانت هذه المنطقة تابعة إما للجمهورية أو لخلفائها، الذين سمح لهم بإدارة شؤونهم الداخلية على أن يزودوا جيش روما بالرجال، وبالمقابل كان مواطنوهم يتمتعون بحقوق المواطنين الرومان عندما يأتون إلى روما، ويشبه هذا الأمر إلى حد ما سيطرة أثينا على عصبة ديلوس.

كان نجاح روما قائماً على عدد من الميزات، فقد ساعدها موقعها الاستراتيجي كمدينة وكذلك انغماس الإترورييين الطويل بصراعاتهم مع الإغريق والمدن اللاتينية الأخرى بينما كانت القبائل السلتية تضغط عليهم من الشمال. وهناك عامل آخر هو النظام العسكري الذي استفاد الفائدة القصوى من طاقة روما البشرية، فقد كان من واجب كل مواطن ذكر بحوزته أملاك أن يخدم في الجيش إذا احتاج الأمر، وكان هذا مطلباً شاقاً، لأن جندي المشاة كان يخدم ست عشرة سنة على عهد الجمهورية، ولو أن الخدمة لم تكن تشمل العام كله لأن الحملات كانت تبدأ في الربيع وتنتهي خلال الخريف. وقد تم بذلك صنع آلة عسكرية أضحت خلال القرون القليلة التالية أفضل آلة عرفها العالم، وكان عدد السكان الذين يجند منهم أفراد الجيش يزداد بصورة مطردة بسبب التزام الحلفاء بإمداده بفرقهم العسكرية.

ومنذ أن كانت روما تسيطر على إيطاليا كانت قد تورطت في بلاد أبعد، كانت بعض المدن الإغريقية قد استغاثت بملك ايبرس* لمساعدتها ضد الرومان في بداية القرن الثالث ق.م فقام هذا بحملات في الجنوب وفي صقلية، وربما كان يفكر ببناء إمبراطورية في الغرب مثل إمبراطورية الإسكندر، وقد ربح معارك بالفعل ولكن الثمن كان باهظاً، وقد بدا في وقت من الأوقات أن مصر البطالسة قد ترغب بالتحالف مع روما، والحقيقة أن أول هم كبير للجمهورية خارج إيطاليا كان بالفعل في أفريقيا، ولكن إلى الغرب من مصر


* مملكة قديمة في البلقان جنوبي مقدونيا

 

 

بوابات المجتمع المحلي



البحث في البوابة

تابعونا على فيسبوك


إعلانات
يمكن للسادة المحامين الراغبين بالمشاركة في المنتدى القانوني على موقع بوابة المجتمع المحلي زيارة المنتدى القانوني والتسجيل بشكل مباشر كما يمكنهم الاتصال بإدارة الموقع على عنوان البريد الالكتروني : webmaster.reefnet@gmail.com