الفعل الناقص

تصريفه واتّصاله بالضمير(1)

     بين يدَيِ البحث: تذكير بقواعد كليّة، موضعُها - أصلاً - بحث الإعلال:

  1- إذا التقى ساكنان أولهما حرف علّة حُذف(2) نحو:

                         دَعَاْتْ =  دَعَ... تْ

                        ترضاْيْن =  ترضَ... يْنَ

                        يخشاْوْن =  يخشَ... وْنَ

  2-كل ألف في آخر الفعل الناقص لا بدّ من أن تكون منقلبة عن واو أو ياء.

     ففي نحو [دعا]: الألف منقلبة عن واو، والدليل: دعوْت.

     وفي نحو [مشى]: الألف منقلبة عن ياء، والدليل: مشيْت.

  3- إذا زاد الفعل الناقص على ثلاثة أحرف، قلبت ألفه ياءً، مهما يكن أصلها.

     ففي نحو [تسامى] يقال: [تسامَيْنا]، فتقلب الألف ياءً، والأصل واو، والدليل: يسمو.

وفي نحو[تماشى] يقال: [تماشَيْنا]، فتقلب الألف ياءً، والأصل ياء، والدليل: يمشي.

  4- إذا حُذفت الألف، ظلّ الحرف قبلها مفتوحاً، فيَستدلّ المرء بهذه الفتحة على أن الحرف الذي حُذف هو الألف.

     تنبيه لا بدّ منه: كل فعل معتلّ - مهما يكن حرف العلّة فيه - ومهما يكن موضعه، تعتريه أنماط من الحذف أو الإثبات أو القلب، ومن التحريك أو التسكين... تحكمها قواعد كلّيّة، ناقصاً كان الفعل أو أجوف أو مثالاً... وموضع كل ذلك هو بحث [الإعلال]. وسيراً مع ما يوجبه منهج البحث العلمي، لم نعرض لهذه المسائل هنا، فخالفنا بذلك سُنّةً من سنن النحاة، يلزمونها كلما عرضت حالة من حالات الإعلال !! في موضع من المواضع!! في بحث من البحوث!!

     وإنما أعرضنا عن ذلك، تجنّباً للتكرار، وحرصاً على اتصال أجزاء المواضيع، وصوناً لها من التقطيع وانفصام العرى، عند كل خطوة يخطوها البحث. فمن شاء رجع إلى هذه المسائل، في مواضعها من بحث [الإعلال]. 

*        *        *

البحث

     الفعل الناقص: ما كان آخره حرفَ علّة، نحو: [عدَا - مشَى- رضِي...].

     أحكام:

                 ·   إذا اتصل الفعل الناقص بواو الجماعة، أو ياء المؤنثة المخاطبة، حُذف حرف العلة، قولاً واحداً.

                 ·   فإنْ كان هذا المحذوف ألفاً، بقي ما قبله مفتوحاً أبداً قولاً واحداً(3)، بغير التفاتٍ إلى صيغة الفعل من ماضٍ أو مضارع أو أمر، ولا التفاتٍ إلى ما يتّصل به من واو جماعة أو ياء مؤنثة مخاطبة، نحو:

 سعَـ..وا، يسعَـ..ون، اِسعَـ..وا، اِسعَـ..ينَ

 يرضَـ..ون، ترضَـ..ين، اِرضَـ..وا - اِرضَـ..يْ...

(لفظ الأمر يُحمَل على لفظ المضارع)

                ·  أو كان غيرَ الألف (أي: الواو أو الياء):

     فقبْله الضمُّ أبداً، إذا اتّصل بواو الجماعة (لأنّ الضمة هي التي تناسب الواو) نحو:

نسِي - نَسُـ..وا (في الماضي)،

يمشِي - يمشُـ..ون (في المضارع)،

امشُـ..وا (في الأمر، ولفظ الأمر يُحمَل على لفظ المضارع).

     وقبْله الكسرُ أبداً، إذا اتّصل بياء المخاطبة (لأنّ الكسرة هي التي تناسب الياء) نحو: تعدُو - تعدِ..ين- اعدِ..ي(4).

     تقول في المضارع(5) : يا زينب تعدِ...ين، ترمِـ...ين، تستهدِ...ين.

     وتقول في الأمر: يا زينب اعدِ...ي، اِرمِـ...ي، اِستهدي. 

*        *        *

 

نماذج فصيحة من استعمال الفعل الناقص

   ·   ]ولا تكونوا كالذين نَسُوا الله[ (الحشر 59/19)

     [نَسُوْا]: الأصل: نسِيَ + (واو الجماعة)

     هاهنا فعلٌ ماضٍ متصل بواو الجماعة. حذف من آخره حرف العلة وهو الياء: [نسِـ...وْ](6) والحذفُ حكمُ كل فعل ناقص إذا اتصل بواو الجماعة.

     ثم لأنه متصل بالواو يُضَمّ الحرف الذي يسبقه - وهو هنا السين - لمناسبة واو الجماعة، وعلى ذلك قيل: [نَسُوا].

     والذي ذكرناه في هذا المثال، ينطبق كل الانطباق على: [عَمُوا - شَقُوا - رَضُوا] في الآيات: ]ثمّ عَمُوا وصَمُّوا[ (المائدة 5/71)، ]فأمّا الذين شَقُوا ففي النَّار[                  (هود 11/106)، ]رَضِيَ الله عنهم ورضُوا عنه[ (البيّنة 98/8)

     فحاولْ تحليلها في هَدْي ما بيّنّا لك.

   ·   ]دَعَوْا الله مخلِصين له الدِّين[ (يونس 10/22)

     [دَعَوْا]: الأصل: دَعَا + (واو الجماعة). هاهنا فعلٌ ماضٍ متصل بواو الجماعة، حذف من آخره حرف العلة، وهو الألف: [دعَـ... وْ]، والحذفُ حُكمُ كل فعل ناقص إذا اتصل بواو الجماعة. ثم لأن المحذوف ألف، يبقى الحرف الذي قبله، وهو هنا العين، مفتوحاً، فيدل على المحذوف. وعلى ذلك قيل: [دعَوْا].

     والذي ذكرناه هنا، ينطبق كل الانطباق على قوله تعالى: ]ونادَوْا يا مَالِكُ لِيَقْضِ علينا ربّك[ (الزخرف43/77)، وقوله: ]واسْتَغْشَوْا ثيابَهم[ (نوح 71/7)، وعلى قول كثيّر عزّة (الديوان /81):

بلَوْهُ فأَعطَوْه المقادةَ بعدما        أَدَبَّ البلادَ سهلَها وجبالَها

     فحاولْ تحليل ذلك في هَدْي ما بيّنّا لك.

   ·   قال حسان بن ثابت (الديوان /309):

يُغشَون حتى ما تهرّ كلابُهمْ           لا يَسألون عن السَّواد المُقْبِلِ

     [يُغْشَوْنَ]: الأصل: يُغْشَا + وْنَ  (واو الجماعة)

     هاهنا فعل مضارع مبني للمجهول، حذف من آخره حرف العلة، وهو الألف: [يُغْشَـ...وْن] والحذف حُكمُ كل فعل ناقص إذا اتصل بواو الجماعة.

     ثم لأن المحذوف ألف، يبقى الحرف الذي قبله - وهو الشين - مفتوحاً، فيدل على المحذوف، وعلى ذلك قيل: [يُغْشَوْن].

     ومن المفيد أن نوجّه النظر هنا، إلى أن بناء هذا الفعل للمعلوم أي: [يَغْشَوْنَ]، لا يغير من الأمر شيئاً(7).

     هذا، وما ذكرناه هنا، ينطبق كل الانطباق على: [تنهَون وتتعاشَوا] في قول حسان بن ثابت (جمهرة ابن الكلبي 1/261):

يا آل تَيمٍ ألا تنهَوْنَ جاهلَكمْ          قبل القِذاف بأمثال الجَلاميدِ

     وقول الحارث بن حِلِّزة (السبع الطوال /477):

فاتركوا البغيَ والتعدِّيْ وإما          تتعاشَوا ففي التعاشي الداءُ

     وما كان مثلَهما، فحاولْ تحليلهما في هَدْي ما بيّنّا لك.

     واعلم أن هذا ينطبق أيضا على المضارع المتصل بياء المؤنثة المخاطبة، نحو: [ترضَين وتخشَين...] فالألف تُحذف، والحرف الذي يسبقها يفتح قولاً واحداً، جرياً مع القاعدة.

   ·   قال كثيّر عزّة (الديوان /80):

يُحَيُّون بُهلولاً به رَدَّ ربُّه         إلى عبد شمسٍ عِزَّها وجَمالَها

     [يُحَيُّونَ] الأصل: يُحَيِّيْ(8) + وْنَ (واو الجماعة)

     هاهنا فعل مضارع، حذف من آخره حرف العلة، وهو الياء الثالثة: [يحيّـ...ون] والحذف حكم كل فعل ناقص إذا اتصل بواو الجماعة. ثم لأنه متصل بالواو، يضمّ الحرف الذي يسبقه-وهو هنا الياء-لمناسبة واو الجماعة(9). وعلى ذلك قيل: [يحيُّون].

   ·   في الحديث: [تهادَوْا تَحابُّوا...]. (الموطّأ 2/908)

     [تَهَادَوْا]: الأصل: تَهادَىْ + وْ (واو الجماعة)

     هاهنا فعلُ أمر، حُذف من آخره حرف العلة، وهو الألف: [تهادَ...وْ]، والحذف حُكْمُ كل فعل ناقص إذا اتصل بواو الجماعة. ثم لأن المحذوف ألف، يبقى الحرف الذي قبله - وهو الدال - مفتوحاً، فيدل على المحذوف. وعلى ذلك قيل: [تهادَوْا].

     والذي ذكرناه هنا، ينطبق كل الانطباق على قول عليّ عليه السلام (نهج البلاغة - د. الصالح/491): [تَوَقَّوُا البردَ في أوّله، وتَلَقَّوْهُ في آخره...].

     فحاولْ تحليل ذلك، في هدي ما بيّنا لك.

     ونوجّه نظرك إلى أن هذا ينطبق أيضا على المضارع المتصل بياء المؤنثة المخاطبة، نحو: [تلقَّي وتوقَّي...] فالألف تحذف والحرف الذي قبلها يفتح. وهكذا...

 

*        *        *

عودة | فهرس

 

 

1- ليس المقصود هنا بـ [الفعل الناقص] كان وأخواتها، بل المقصود به: الفعل المنتهي بألف أو واوٍ أو ياء.

2- ذكرنا في بحث الإعلال أنّ حروف العلة هي: الواو والياء، وأما الألف فمنقلبة عن أحدهما. وليس إطلاقنا مصطلح [حروف العلة] في هذا البحث، على الألف والواو والياء جميعاً، إلاّ من قبيل التجوّز، إذ الأحكام هنا تشمل الأحرف الثلاثة، بغير نظر إلى أصلها، أو مآلها.

3- تدلّ الفتحة على أن الحرف المحذوف ألف.

4- أجازوا ضمّ وكسر همزة الوصل، في المعتل الآخر بالواو إذا اتصل بياء المخاطبة، فصحّ أن تقول: اُعدِي واِعدِي.

5- لم نعرّج على الماضي، لأنه لا يتّصل بياء المخاطبة.

6- كتابة الألف بعد واو الجماعة، مسألة إملائيّة، لا علاقة لها بما نحن بصدده، وقد حذفناها عمداً، خشية أن تصرف بصر القارئ أو ذهنه عن القاعدة.

7- بيان ذلك، أن المسألة مركوزة في الاتصال بواو الجماعة والحرفِ المحذوف والحركةِ قبله. وهذه لا يغيّر منها شيئا أن يكون لفظ الفعل [يَغْشَوْنَ] أو [يُغْشَوْنَ].

8- (يحيّي): فيه ثلاث ياءات، الأولى والثانية منها مدغمتان.

9- ملاحظة: لو كان هذا الفعل مبنياً للمجهول لقيل: (يُحَيَّوْن). وعند ذلك يجري عليه ما يلي: يحيَّون: مضارع، والأصل: [يحيَّا + وْن]، حذف حرف العلة، وهو الألف: يحيَّـ...ون - وذلك حكم كل ناقص إذا اتصل بواو الجماعة. ثم لأن المحذوف ألف، يبقى الحرف الذي قبله - وهو الياء - مفتوحاً، فيدل على المحذوف.