لَوْلا

     [لولا]: على ثلاثة وجوه:

     الوجه الأوّل: أن تكون للتوبيخ، فتختصّ بالفعل الماضي، نحو قولك للمتأخّر: [لولا جئتَ مبكِّراً].

     الوجه الثاني: أن تكون للتحضيض والعرض، فتختص بالمضارع نحو: [لولا تُنظِر المُعسِر](1).

     الوجه الثالث: حرف شرط غير جازم، (يقول المعربون: حرف امتناع لوجود)، يدخل على جملتين: اسميةٍ ففعلية، فتمتنع الثانية منهما بسبب وجود الأولى، نحو: [لولا خالدٌ لسافرت]؛ (امتنع السفر لوجود خالد)(2). ويجوز في جوابها مجيء اللام، وعدمُ مجيئها: [لولا خالدٌ لسافرت = لولا خالدٌ سافرت].

     يكون المبتدأ بعد الشرطية اسماً، أو ضميراً، وأما الخبر فمحذوف دوماً نحو: [لولا خالدٌ لسافرت] و [لولا أنتم لسافرت] و [لولاكَ لسافرت].

     تنبيه: [لولا] الداخلة على الفعل قد تُفصَل منه بواحدة مِن ثلاث [إذْ - إذا - جملة شرطية معترضة] نحو:

     ]ولولا إذْ سمعتموه قلتم... [

     ]فلولا إذا بلغت الحلقوم... [

     ]فلولا إنْ كنتم غير مَدِينِينَ تَرْجِعونها... [

 *        *        *

 نماذج فصيحة من استعمال [لولا]

      ]ولولا إذْ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا[ (النور 24/16)

     [لولا... قلتم]: في الآية توبيخ لمن سمع فلم يقل: [ما يكون لي أن أتكلّم بهذا]. والقاعدة: أنّ [لولا] تختص بالدخول على الفعل الماضي إذا كانت للتوبيخ. وقد تحقق ذلك هاهنا. وفُصِل بين [لولا] وفعلها بـ [إذ]، والآية شاهد على ذلك.

      قال جرير يرثي زوجته (الديوان /862):

لولا الحياءُ لَعادَني استعبارُ       ولَزُرتُ قبرَكِ والحبيبُ يُزارُ

     [لولا الحياءُ لَـ...]: لولا في البيت حرف امتناع لوجود: فقد امتنع الاستعبار (البكاء) لوجود الحياء. وقد دخلت على جملة اسمية، أما المبتدأ فيها فهو: [الحياءُ]، وأما الخبر فمحذوف. وجمهور النحاة على وجوب هذا الحذف. وقد دخلت اللام على جوابها [عادني]، لكنّ عدم دخولها جائز أيضاً، أي يصحّ أن يقول الشاعر: [لولا الحياء عادني استعبار].

      قال نُصَيْب (لسان العرب 1/170):

ولولا أن يُقالَ صَبا نُصَيْبٌ        لقلت: بنفسِيَ النَّشَأُ الصِّغارُ

     (النشَأ: جمع ناشئ للمذكر والمؤنث، مَنْ جاوز حدّ الصِغر).

     [لولا أن يقال]: لولا في البيت حرف امتناع لوجود: فقد امتنع قولُه: [بنفسي النشأ الصغار] لوجود قولِ قائلٍ: [صبا نصيب]. وقد دخلت [لولا] على جملة اسمية، أما المبتدأ فيها فهو: المصدر المؤوّل من [أن يقال]، وأما الخبر فمحذوف. وذلك أنّ المصدر المؤوّل بمنْزلة الاسم، وهو في البيت في محل رفع مبتدأ، فكأنه قال: [لولا قولُ قائلٍ...]، والخبر محذوف على المنهاج. وقد دخلت اللام على جوابها [قلت].

      ]فلولا إذا بلغت الحلقومَ وأنتم حينئذٍ تنظرون ونحن أقرب إليه منكم ولكنْ لا تبصرون فلولا إنْ كنتم غير مدينين تَرْجِعُونَهَا إنْ كنتم صادقين[ (الواقعة 56/83-87)

     في الآية تقديم وتأخير، ولولا ذلك لكان النص: [لولا ترجعون الروحَ إذا بلغت الحلقوم]. وقد تقدّمت [إذا] ففصلت بين [لولا] وفعلها [ترجعون]. والقاعدة أن [لولا] الداخلة على الفعل، قد تُفصَل منه بواحدة من ثلاث هي: [إذ - إذا - جملة شرطية معترضة].

      ]يقول الذين استُضْعِفوا للذين استكبروا لولا أنتم لَكُنا مُؤمنين[(سبأ34/31)

     [لولا أنتم لكنّا]: لولا حرف امتناع لوجود: فقد امتنع إيمان المستضعفين لوجود المستكبرين. وقد دخلت [لولا] على جملة اسمية، أما المبتدأ فيها فهو الضمير: [أنتم]، وأما الخبر فمحذوف، وهو ما عليه جمهور النحاة. ومجيء المبتدأ ضميراً، على المنهاج، إذ يجوز أن يكون المبتدأ بعد [لولا] اسماً أو ضميراً. وقد دخلت اللام على جوابها [كُنّا]، لكنّ عدم دخولها جائز أيضاً، ولو لم يكن الكلام قرآناً لجاز أيضاً: [لولا أنتم كنّا مؤمنين].

      قال أبو العلاء المعريّ يصف سيف ممدوحه (شروح سقط الزند1/104):

يُذيبُ الرعبُ منه كلَّ عَضْبٍ          فلولا الغِمْدُ يُمسِكُهُ لَسالا

     (العضب = السيف).

     وقد حكم النحاة على المعري هاهنا باللحن. وبيان ذلك: أنّ [الغمد] مبتدأ، وجملة: [يمسكه] خبر لهذا المبتدأ، وجمهور النحاة على أنّ حذف خبر المبتدأ بعد [لولا] حَتْم. وكان الصواب أنْ يقول: [لولا الغمدُ لسال]. ومع ذلك فإن فريقاً من النحاة حاولوا إيجاد مخرج للمعرّي!! ومن ذلك مثلاً قول بعضهم: إن جملة [يمسكه] ليست خبراً، بل هي حالية، وقول آخرين: إن حذف خبر المبتدأ بعد [لولا] ليس حتماً...

      قال عمر بن أبي ربيعة (الديوان / 479):

أَوْمَتْ بعينيها مِنَ الهودجِ      لولاكَ في ذا العامِ لم أَحْجُجِ

     [لولاكَ...لم أحجُج]: في البيت مسألتان، الأولى مجيء المبتدأ - على المنهاج - ضميراً بعد [لولا] التي هي حرف امتناع لوجود. وذلك أنّ المبتدأ بعدها يجيء اسماً ويجيء ضميراً. والثانية أنه يجوز في الأصل مجيء اللام في جواب [لولا] ويجوز عدم مجيئها. ولكن جوابها جاء في البيت منفيّاً بـ [لم]، فامتنع اقتران اللام به، إذ ليس من العربية أن يقال: [لَلَم أحجج] !!

      ]قال ياقومِ لِمَ تَستعجلون بالسيئة الحسنةَ لولا تستغفرون اللهَ لعلكم ترحمون[

(النمل 27/46)

     [لولا تستغفرون]: دخلتْ [لولا] على فعل مضارع فتعين أن تكون للتحضيض، وهو ما عليه المعنى في الآية، إذ فيها يحضّ النبيُّ صالحٌ قومه ثمودَ على الاستغفار، لعلّ الله يرحمهم.

      ]وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموتُ فيقول ربِّ لَوْلاَ أخرتني إلى أجل قريب[ (المنافقون 63/10)

     [لولا أخرتني]: هاهنا مسألتان:

     الأولى أنّ في الآية عرضاً مضمونه طلب التأخير: [ربّ لولا أخرتني]. والقاعدة أنّ [لولا] إنما تكون للعرض والتحضيض إذا دخلت على فعل مضارع. والفعل في الآية: [أخرتني] فعل ماضٍ لا مضارع. فما علّة ذلك.

     الجواب: أنّ فِعل [أخرتني]، وإن كان في الظاهر اللفظي فعلاً ماضياً، هو في المعنى مضارع، أي: [لولا تؤخرني].

     والثانية أنّ [لولا] في الآية للتحضيض، إذ هي داخلة على فعل مضارع (في المعنى). ولكنْ لما كان التحضيض طلباً بحثٍّ وإزعاج، وكان الخطاب متّجهاً إلى الله تعالى، كان اللائق - تأدباً - أن يسمى ذلك في الآية (عرضاً، لا تحضيضاً)!!

      ]لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء فإذْ لَمْ يأتوا بالشهداء فأولئك عند اللهِ هم الكاذبون[ (النور 24/13)

     [لولا جاؤوا]: لولا في الآية داخلة على فعل ماض، ومتى كان ذلك، كانت للتوبيخ، وهو ما عليه المعنى في الآية، فإنّ فيها ذمّاً وتوبيخاً لمن جاء بالإفك فرمى المحصَنات، ولم يجئ على ما قال بأربعة شهداء.

 *        *        *

عودة | فهرس


 

1- الفرق بين التحضيض والعرض، أنّ الأول طلبٌ بحثٍّ وإزعاج، والثاني طلبٌ بلِينٍ وتأدُّب.

2- لهذا قال المعربون: هي حرف امتناع لوجود.