حتّى

 

     معناها انتهاء الغاية، نحو: أدرسُ حتى الصباحِ = إلى الصباح، وتأتي للتعليل، نحو: أدرسُ حتى أنجح = كي أنجح.

     ولها وجوه ثلاثة:

     1- حرف عطف، يعطف الأسماء فقط. ومنه المثال الشائع: [أكلتُ السمكةَ حتى رأسَها]، أي: أكلتَ السمكةَ ورأسَها أيضاً(1).

     2- ابتدائية(2)، وتدخل على الجمل الاسمية والفعلية، نحو: [فوائد الكتاب لا تنتهي، حتى اقتناؤه زينةٌ في البيت] و[عمَّ استعمال الحاسوب حتى دخل كلَّ ميدان].

     3- حرف جر، نحو: [قرأت الكتاب حتى خاتمتِه].

     تنبيهٌ عظيم الخطر: ينتصب الفعل المضارع بعد حتى الجارّة، إذا كان زمانه للمستقبل، نحو: [أدرسُ حتى أنجحَ]. فإذا لم يكن للمستقبل وجب رفعه، نحو: [فلان في الرمق الأخير، حتى ما يُؤمَلُ أنْ يعيش إلى الغد].

 *        *        *

 

نماذج فصيحة من استعمال [حتى]

      ]ثمّ بدا لهم من بعدِ ما رأَوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حتى حِين[ (يوسف12/35)

     [حتى حينٍ]: حتى في الآية حرف جرّ، يَجرّ الاسم الظاهر (أي لا يجر الضمير)، ومعناها انتهاء الغاية. أي: ليسجننه إلى حين.

      قال الشاعر:

قَهرْناكمُ حتى الكماةَ فأنتمُ       تَهابونَنا حتى بَنِينَا الأَصاغِرا

     [حتى الكماةَ]: حتى هنا في البيت هي العاطفة. والعاطفة تعطف الأسماء على الأسماء فقط. لكن الشاعر هنا عطف [الكماةَ] على الضمير [كم]، الذي هو في محل نصب. ويقال الشيء نفسه طِبقاً، في قوله: [حتى بنينا]. فـ [حتى] هنا عاطفة، و[بني]: (حُذفت النون منه للإضافة، والأصل بنين) اسم ملحق بجمع المذكر السالم منصوب بالياء، لأنه معطوف على الضمير [نا] قبله الذي هو في محل نصب. ويحْسن أن نذكر هاهنا أنّ الاسم المعطوف بعد [حتى] يكون غاية لما قبلها تعظيماً أو تهويناً. وقد اجتمعا في البيت. ففي الصدر تعظيم [قهرناكم حتى الكماةَ]، وفي العَجُز تهوين [تهابوننا حتى بنينا الأصاغرَ].

      قال جرير:

فما زالتِ القتلى تَمُجُّ دماءَها       بدجلةَ حتى ماءُ دجلةَ أشْكَلُ

     [حتى ماءُ دجلة أشكل] (الماء الأشكل: المختلط بالدم): حتى ابتدائية(3). والابتدائية إنما تدخل على الجمل اسميةً وفعلية، وقد دخلت في البيت على جملة اسمية، مؤلفة من مبتدأ هو [ماء] وخبر هو [أشكل].

      وقال الفرزدق:

فواعجبا، حتى كُلَيْبٌ تَسبُّني       كأنّ أباها نَهْشَلٌ أو مُجاشِعُ

     [حتى كليب تسبّني]: يقال هنا في بيت الفرزدق، ما قيل في بيت جرير آنفاً، فـ [حتى] ابتدائية، والابتدائية إنما تدخل على الجمل، وقد دخلت في البيت على جملة اسمية، مؤلفة من مبتدأ هو [كليب] وخبر هو جملة [تسبّني].].

      وقال الراعي النميري:

وما هجرتُكِ حتى قلتِ معلنةً       لا ناقةٌ لِيَ في هذا ولا جَمَلُ

     [حتى قلتِ]: حتى ابتدائية، والابتدائية تدخل على الجمل اسميةً وفعلية. وقد دخلت في البيت على جملة فعلية: [قلتِ].

      ]لن نَبْرَحَ عليه عاكِفينَ حتى يَرجعَ إلينا موسى[ (طه 20/91)

     [حتى يرجعَ...]: حتى في الآية حرف جرّ لانتهاء الغاية، والمعنى: [إلى أن يرجع]. والقاعدة أنّ الفعل المضارع ينتصب بعد حتى إذا كان زمانه للمستقبل، وقد تحقق ذلك هنا، وذلك أنّ رجوع موسى هو بعد قولهم: (لن نبرح...)، وبتعبير آخر: إنّ زمن رجوع موسى هو مستقبَلٌ بالقياس إلى زمن قولهم: (لن نبرح). ومن هاهنا كان انتصاب الفعل المضارع بعد حتى.

     ويتّضح هذا إذا تأمّلت بيت حسان بن ثابت، الذي وردت فيه [حتى] وبعدها فعل مضارع لا يدلّ على زمنٍ مستقبل. فارتفع ولم ينتصب. وهو:

يُغْشَوْنَ حتى ما تَهِرُّ كلابُهمْ       لا يَسألون عنِ السَّوادِ المقْبِلِ

     فقوله: [ما تهرُّ كلابهم] بضمّ الراء، لا يدل على حدث سيقع في المستقبل، أي لا يدلّ على أنّ كلابهم تهرّ في وقتٍ آتٍ في المستقبل، وإنما يدلّ على أنها اعتادت رؤية الضِّيفان يغشون حيّهم، وأَلِفَتْ ذلك فهي لا تهرّ. ولذا جاء فِعْلُ [تهرّ] بعد [حتى] مرفوعاً لا منصوباً.

*        *        *

 

عودة | فهرس


 

1- لاحظ العلماء - بالاستقراء - أنّ [حتى] العاطفة، تقع في التعظيم والتهوين (التحقير). مثال التعظيم قولُك: [يموت الناس حتى الأنبياءُ]، ومثال التهوين قولُك: [صام الناس حتى الصبيانُ].

2- المقصود بمصطلح [ابتدائية] أنّها حرف ابتداء، وما بعدها مستأنَف. لا أنها تدخل على المبتدأ والخبر.

3- نذكّر بأن مصطلح ابتدائية هنا، مقصود منه أنها حرف ابتداء، وبعده جملة مستأنفة.