الفكر الإغريقي

لقد كانت قبضة العادات والتقاليد في اليونان محكمة وكان الإغريق متشبثين بها بقوة، إلا أنهم استطاعوا في هذه الأثناء أن يأتوا على حين غرة بدفق متتال من الإنجازات التي كانت مدهشة بجدتها، ومنذ ذلك الحين يتعجب الناس كيف حدث هذا، وقد سماها بعضهم ”المعجزة الإغريقية” لشدة ما أذهلتهم. لقد تم ذلك على امتداد فترة أطول من العصر الكلاسيكي العظيم نفسه، فخلال أربعمائة عام تقريباً اختراع الإغريق السياسة والفلسفة وقسطاً كبيراً من الحساب والهندسة. وأسماء هذه العلوم كلها في اللغة الإنكليزية أسماء يونانية الأصل*ومفاهيمهم عن الفن مازال الأوروبيون يقبلون بها حتى يومنا هذا تقريباً.  وتدل هذه الخطوة العملاقة على مدى اختلاف الحضارة الإغريقية عن سابقاتها. لقد كانت أكثر إبداعاً منها بقدر كبير. وفي قلب هذا الإنجاز كانت الأهمية الجديدة التي أعطاها الإغريق للتحري العقلاني الواعي للعالم الذي يعيشون فيه، صحيح أن الكثيرين منهم ظلوا يؤمنون بالخرافات والسحر، ولكن لا يجوز لهذا الأمر أن ينسينا إنجازاتهم. إن طريق الإغريق في استخدام المنطق والحجة قد أعطت البشر سيطرة على العالم الذي يعيشون فيه أكبر من أي شعب قبلهم، ورغم أن أفكارهم لم تكن صحيحة دوماً، فإنهم كانوا يستنبطونها ويفحصونها بطرائق أفضل من أي طرائق سابقة. لقد ساهمت المعجزة الإغريقية مساهمة عظيمة في تطور طاقات العقل البشري، ولم يقم أحد قبلهم بمثل هذا المجهود المركز لمعالجة أعمق مشاكل الفكر والحياة، ولن يظهر مثله إلا بعد زمن طويل.

من الأمثلة البارزة على ذلك العلم، فقد كان العلم الإغريقي مختلفاً كل الاختلاف عن المحاولات السابقة لمقاربة العالم الطبيعي. ففي القرن السادس ق.م وضع عدد من المفكرين في إيونيا للمرة الأولى تفاسير لطريقة عمل الكون بصورة قوانين وقواعد متناسقة بدلاً من صورة الآلهة والشياطين. بيد أن الفيلسوف الإغريقي ديمقريطس قد توصل إلى فكرة أن المادة كلها مؤلفة من ذرات atoms وكانت تلك نظرية سابقة لأوانها بألفي سنة، ولكنها لم تنتشر. إن النظرية التي استمرت أيضاً نظرية إغريقية تقول إن المادة مؤلفة من أربعة عناصر هي التراب والماء والهواء والنار، التي ترتبط فيما بينها بطرق تختلف من مادة إلى أخرى. لقد كانت هذه النظرية أبعد عن الحقيقة من نظرية الذرات، ولكنها مع ذلك مكنت من استمرار التفكير في هذا الموضوع وسيرت العلم حتى القرن السابع عشر الميلادي تقريباً. وبالصورة نفسها بقيت تعاليم أبقراط أساس الطب حتى أزمنة حديثة جداً، وهو إغريقي من جزيرة كوس كان تلميذاً لديمقريطس، إن من الصعوبة بمكان أن تميز الحقيقة من الأسطورة في ما يروى عن أبقراط، ولكن من الواضح أن تعاليمه كانت البداية الحقيقية للدراسة العلمية لصحة الإنسان، عن طريق ملاحظة الأعراض وتأثيرات العلاج، وإعطاء توصيات معقولة حول الغذاء وفصل المعرفة عن الخرافة. ومازال قسم أبقراط الذي سمي على اسمه أساس الأخلاق الطبية في يومنا هذا.

بل إن الإغريق قدموا مساهمات أعظم حتى من تلك في مجال الرياضيات، وتبدأ هذه القصة أيضاً بعيداً عن بر اليونان. كان يعيش في كروتون بجنوب ايطاليا في القسم الثاني من القرن السادس ق.ن فيلسوف اسمه فيثاغورث، هو أول الذين استخدموا عملية الاستدلال أو الاستنتاج، أي تطبيق حجج منطقية محضة على المبادئ الأولى أو البديهيات. وكان هذا التطور هاماً لا لأنه أدى إلى تطور علمي الحساب والهندسة، بل أيضاً لأنه ساهم في جعل الناس يفكرون بصورة واضحة ودقيقة في مسائل غير المسائل الرياضية. ويعرف فيثاغورث أكثر ما يعرف بنظرية المثلث القائم الزاوية التي سميت على اسمه، مع أنها في الحقيقة تعود لتاريخ لاحق.

الفلسفة

من أشهر الإغريق الذين أصروا على أهمية الفكر الدقيق الصارم رجل أثيني هو سقراط الذي عاش في أواخر القرن الخامس. لم يؤلف سقراط كتباً ولا نعلم عنه إلى من خلال ما يخبرنا به أشخاص آخرون، ولكن أكثر الأشياء التي يعتقد أنه قالها وعلمها (ومن الجلي أنه كان واحداً من خير المعلمين قاطبة) مسجلة في سلسلة ”المحاورات” أو المحادثات التي دونها أعظم تلاميذه، الفيلسوف أفلاطون. مازال الناس مختلفين حول ما إذا كانت تلك التعاليم هي حقاً تعاليم سقراط أم أن أفلاطون هو الذي كتبها بنفسه، إلا أن رسالتها واضحة:” يقول سقراط إن أهم شيء ينبغي على الإنسان فعله هو أن يحاول معرفة كيف يمكنه أن يعيش حياة صالحة، وما هي الحياة الصالحة التي يجب على الإنسان أن يسعى لها؟ يجيب سقراط بأن السبيل الوحيد لمعرفة ذلك بصورة أكيدة هو الفحص الدقيق لمفاهيم مثل الخير والعدالة الحقيقية، أي باختصار أن نمحص القيم التي يعيش الناس بحسبها.

لقد قال سقراط أشياء كثيرة غير هذه، ولكن الناحية الأهم في تعاليمه هي اتجاهها العام وطريقته فيها وليس النتائج التي توصل إليها. ويبدو أنه كان يشكك في جميع الأشياء التي تعتبر بديهية.  لقد مثل سقراط أخيراً للمحاكمة في أثينا عام 399 ق.م بتهمة نكران الآلهة التي تعترف بها الدولة، وإفساد الشباب عن طريق الدعوة لازدراء مؤسسات أثينا والسخرية من الديمقراطية والأخلاق العامة، خصوصاً وأنه ذكر فقرات من هوميروس بصورة مسيئة، وبأنه علم الشباب التمرد على والديهم. وربما كان وراء هذه التهم عداوة سياسية، ولكن لاريب أن محاكمته والحكم عليه قد تما بطريقة شرعية، وليست الديمقراطية بأكثر تسامحاً مع الآراء غير التقليدية من أشكال الحكم الأخرى، ثم أمر سقراط بالانتحار وقد انتحر فعلاً، ويبدو أنه كان يعتقد أن للدولة كل الحق في إدانته، وربما كان هذا دليلاً على الولاء الذي يمكن لدولة المدينة أن تستدعيه من خيرة مواطنيها. ومنذ ذلك الحين يظهر دوماً أشخاص يزعزعون شعورنا بالرضا عن طريق الشك بمعتقداتنا اليومية، وإظهار ضعفنا من خلال النظر إلى الأفكار المألوفة في ضوء جديد، لقد اتهم سقراط بالمبالغة في قوة المنطق وباستخدامه استخداماً سلبياً فحسب، إلا أن كشف الأخطاء وإزالة الأفكار الفاسدة خطوة ضرورية نحو اكتشاف الحقيقة. كانت تعاليمه مناهضة لتماسك البنى التقليدية، وكانت دولة المدينة في المحصلة ترتكز على افتراضات مطلقة لا تخضع للشك مثل جميع مؤسسات البشر.

وحاول أفلاطون بوحي من أفكار سقراط أن يذهب إلى أبعد من ذلك، فكان يعتقد أن العقل هو الذي يستطيع أن يعطينا اليقين بأن مفاهيم مثل العدالة والجمال والخير توجد وجوداً حقيقياً في عالم مؤلف من مُثل. وهو لا يقصد بذلك أنها توجد كما توجد الأفكار العادية في أذهاننا، بل إن هناك في مكان ما عالماً من الحقيقة الثابتة التي لا تتبدل وراء العالم المادي المتبدل. هذه الحقيقة يمكن للنفس الإنسانية بلوغها (وكان أفلاطون يميز النفس عن الجسد مثل سقراط) من خلال استخدام العقل، الذي يتألف هو نفسه من هذه الأفكار. ولم يكن أفلاطون يحترم طريقة سلوك أكثر الناس، وكان يزدري ديمقراطيي أثينا الذي حكموا على معلمه، إذ كان يعتقد أن أكثر الناس لن يستطيعوا أبداً عيش الحياة الصالحة التي يكشفها عالم " المثل” الحقيقي هذا. لقد كانت تعاليمه على درجة كبيرة من الأهمية، لأنها جعلت الناس يفكرون بالمشاكل على اختلاف أنواعها حتى يومنا هذا، وبالأخص لأنها أسست تقليداً هاماً في الفكر هو المذهب المثالي، أي الإيمان بوجود عالم أكثر حقيقة من عالم تجربتنا المادية، يمكن فهمه من خلال العقل وليس بعالم سحري مبهم لا يسبر غوره.

كان أعظم تلامذة أفلاطون هو أرسطو، كان أرسطو من تراقيا، وقد كتب في مواضيع كثيرة جداً، في البيولوجيا والفيزياء والرياضيات والمنطق والأدب وعلم النفس والأخلاق والسياسة، فوضع للمثقفين أساساً ظلوا يبنون عليه طوال ألفي عام، كما أنه حدد الأساليب الأساسية التي بقي الناس يفكرون بواسطتها في هذه المواضيع حتى أزمنة حديثة جداً. كان أرسطو مفكراً أقل تجريداً من أفلاطون، وكان يحب الحقائق والأفكار وتصنيفها من أجل أن يوضح القوانين العامة الكامنة وراءها، وكان على درجة عظيمة من الملاحظة، وربما كان تأثيره الإجمالي أوسع حتى من تأثير أفلاطون، ولو كان من شبه المستحيل أن يحكم الإنسان في أمر كهذا إلا أن الشيء الأكيد هو أن هذين الفيلسوفين الإغريقيين قد سيطرا على تاريخ الفكر العقلاني سيطرة مديدة لم تكتب لسواهما.

المؤرخون الأوائل

لقد قام الإغريق بخطوة عظيمة أخرى في ميدان الفكر في القرن الخامس ق.م هي اختراعهم لعلم التاريخ. كانت كلمة Istorie كلمة يونانية تعني التحري وإن أول رجل تحرى الأحداث عبر الزمن هو إغريقي من آسيا الصغرى يدعى هيرودوتس ويلقب أبا التاريخ.  لقد سجل هيرودوتس نتائج تحرياته في أول عمل فني نثري مكتوب بلغة أوروبية، ويمكننا أن نترجم عنوان كتابه بكلمة ”أبحاث”، وهو سرد هائل للتفاعل بين اليونان وفارس يصل حتى نهاية الحرب مع الفرس. وهو في الحقيقة تاريخ للعالم أي عالم هيرودوتس*، ورغم أن فيه قصصاً مختلفة، إلا أنه مبني على دراسة جدية لشهادات وروايات أشخاص آخرين حول الأحداث. وكان خليفته هو الأثيني ثوقيديدس، الذي فاقه دقة في تحرياته، وقد جمعها في كتاب وضعه قرب نهاية القرن لكي يفسر الصراع الكبير الذي اندلع داخل العالم الإغريقي والمسمى حرب البيلوبونيز**. ولقد حاز ثوقيديدس على إعجاب أكبر من هيرودوتس لأنه حاول أن يفسر لماذا حدثت هذه الأشياء مثلما حاول أن يفسر كيف حدثت.

لقد دفع الإغريق قوة العقل والفكر في مجالات الفلسفة والعلم والرياضيات والتاريخ بأسرع من أي زمن مضى. كما أنهم ساهموا مساهمات عظيمة في الفنون، ومنها تأسيسهم للمسرح الأوروبي أو الغربي إذا شئنا. تعود جذور الدراما الإغريقية إلى الاحتفالات الدينية، خاصة احتفالات ديونيزوس إله الخمر. في تلك الاحتفالات كانت الأغاني تتلى من قبل الخورس، وفي القرن السادس أضيفت إليها خطابات يؤديها شخص منفرد، فظهر بذلك أول الممثلين. ومن هذه البدايات البسيطة حصلت تغيرات أخرى فيما بعد إلى أن كتبت في القرن الخامس ق.م سلسلة عظيمة من المسرحيات التراجيدية التي تشكل ( مع أعمال هوميروس) ذروة فن الأدب الإغريقي. ولم تكن هذه المسرحيات تؤدى إلا في مناسبات شبه دينية هي احتفالات المدينة التي تهم المواطنين جميعاً، وكانت تسرد في العادة قصصاً وأساطير مألوفة محبوك ضمنها مواضيع دينية وفوق الطبيعة. لقد قدمت في أثينا في القرن الخامس حوالي ثلاثمائة مسرحية تراجيدية لم يبق لنا منها إلى ثلاث وثلاثون للمؤلفين التراجيديين العظام اسخيلس، وسوفوكليس، وأوريبيدس. وكانت هذه المسرحيات تعطي المتفرجين نظرة جديدة إلى قصص قديمة ومألوفة، ربما لإظهار ناحية جديدة لم تكن في بالهم، ولو أن جوهر التراجيديا الأثينية قد ظل دوماً مشدداً على الأعمال الغامضة للقوانين التي تحكم حياة البشر والمصائر الحزينة التي تنتظر حتى ذوي الحظ السعيد منهم. وعدا عن التراجيديا كانت هناك مسرحيات كوميدية، فكان أرستوفانس وهو أيضاً أثيني أول كاتب كوميدي عظيم للمسرح، وكانت الكوميديا تتحول على أيامه من التهريج الفظ إلى وسيلة للتعليق على الحياة العامة، فقد سخر من سقراط مثلاً كما أنه كتب أول مسرحية عن تحرر المرأة هازئاً به، مثل أكثر الكتاب الذين تناولوا هذا الموضوع خلال الألفي سنة القادمتين.

أما من الميراث المادي للثقافة الإغريقية فقد بقيت أعمال عظيمة كثيرة في العمارة والنحت، وظلت زمناً طويلاً نماذج لأجيال المستقبل، ولكنه لم تكن في أيامها كما تبدو لنا اليوم، لأن الحجر والرخام يعمران طويلاً بعكس الدهان والخشب والقماش. فالآثار الجميلة في أكروبوليس أثينا مثلاً كانت مكتظة بالمقامات الصغيرة وكانت تماثيلها وأفاريزها مطلية بالألوان الصارخة. لقد استعار الإغريق في هندستهم الكثير من آسيا كما يبدو أنهم أخذوا العمود عن مصر، ولو أنهم قد طوروا فيما بعد أسلوباً خاصاً بهم، ويبدو أن أفكار تماثيلهم الأولى قد أتت هي أيضاً من مصر أو من الشرق ثم طوروها إلى أسلوب ذي أصالة حقيقية.  وكان أعظم إنجازاتهم هو تصوير جسم الإنسان، فرويداً رويداً صارت الوضعيات المتيبسة والمتكررة التي تراها في التماثيل القديمة تتحول إلى وضعيات طبيعية وعفوية. ويبدو أن الإغريق كانوا مغرمين بإظهار كم يمكن للإنسان أن يكون بديعاً في الفكر والجسد معاً.

 

 

عودة إلى فهرس الفصل الثالث

 

* Politics, Philosophy, arithmetic, geometry

* نشره المجمع الثقافي بأبو ظبي عام 2001، ترجمة عبد الإله الملاح

** نشره المجمع الثقافي في أبو ظبي 2003، ترجمه عمرو ولينا الملاح