152- حروف الجرّ، وتَعْدية بعض الأفعال اللازمة بها
لا يَنْدر أن أسمع مَن ينبِّه صديقه أو زميله على خطأِ قولِه: (أجاب على السؤال)، ثم يذكر له أن الصواب هو: (أجاب عن السؤال).
ويتكرر التنبيه إذا قال أحدهم: (أَثَّر على كذا)، لأن الصواب هو: (أَثَّر في كذا)؛ أو إذا قال أحدهم: (احتاج كذا/لكذا)، لأن الصواب هو: (احتاج إلى كذا)، الخ.....
وحُجة المعترضين هي أن المعاجم لا تُوْرد ما يظنونه خطأ!
فهل حقاً هذه الاستعمالات «المَنْهيُّ عنها» خطأٌ يجب تحاشيه؟
الحق أنها ليست خطأ، بشرط أن تجيءَ في السياق الملائم. وسأُورد نماذجَ غير قليلة من كلام الأئمة والبُلَغاء تبيّن الاستعمالَ الصحيح لمفردات لغتنا الجميلة وضوابطَه، ولو كان ذلك مما لم تشتمل عليه متون معجمات العربية.
أولاً: تعريفات أساسية.
* الفِعْل التام ثلاثة أنواع:
1- المتعدّي: وهو الذي ينصب بنفسه مفعولاً به، نحو: سمعتُ الخَبَرَ.
2- اللازم: وهو الذي لا ينصب بنفسه مفعولاً به، نحو: نام الطفلُ.
أو ينصب مفعولاً به بمعونة حرف جرّ، نحو: أقام المريضُ في بيته. فكلمة (بيت) هي في المعنى - لا في الاصطلاح - مفعول به للفعل قبْلَها. وهذه هي التعدية بحرف الجرّ.
3- نوع مسموع، يستعمل متعدياً ولازماً، مثل: شَكَرَ ونَصَحَ.
تقول: شكرتُ اللهَ على ما أنعم، ونصحتُ الغافلَ أن يشكُرَه.
وتقول: شكرت للهِ على ما أنعم، ونصحتُ للغافلِ أن يشكُرَه.
ونحوُ ذلك: أَعْلَمَهُ الشيء وبه (أي وبالشيءِ). عَرَّفه الشَيءَ وبه...
* التضمين: هو أن تُشْرِبَ الفعلَ معنى فعلٍ آخر، فيضمّ إلى دلالته دلالة هذا الفعل الذي أُشْربَ معناه، وينْزل منْزلته في التعدية واللزوم. فإذا ضُمِّن مثلاً فعلٌ لازمٌ يتعدى بالحرف، معنى فعلٍ متعد بنفسه، حُذِف الجارّ الذي كان وسيلته إلى التعدية.
والغرض من التضمين - كما قال الزمخشري - إعطاء مجموع معنيين، وذلك أقوى من إعطاء معنى واحد. وفائدته - كما قال ابن هشام - أن تؤدي كلمة مؤدى كلمتين.
قال الزمخشري في كشّافه حول الآية )ولِتكَبَّروا اللهَ على ما هداكم(: «... وعَدَّوْا معنى التكبير بحرف الاستعلاء (على) ليكون مُضمَّناً معنى الحمد، كأنه قيل: لتكبروا اللهَ حامدين على ما هداكم».
ثانياً: التعدية السماعية والتعدية القياسية
قال الإمام أبو نزار [هو الحسن بن صافي بن عبد الله بن نزار... عُرف بِمَلِكِ النحاة، إمام بارع، ت 568 هـ]، كما جاء في «الأشباه والنظائر» للسيوطي:
« إن الفعل قد يتعدى بعِدةٍ من حروف الجر، على مقدار المعنى اللغوي المراد من وقوع الفعل؛ لأن هذه المعاني كامنة في الفعل، وإنما يثيرها ويظهرها حروف الجر. وذلك أنك إذا قلتَ خرجتُ، فأردتَ أن تبين ابتداء خروجك، قلتَ: خرجتُ من الدار.
فإن أردتَ أن تبين أن خروجك مقارنٌ لاستعلائك، قلتَ: خرجتُ على الدابة. فإن أردتَ المجاوزة للمكان، قلتَ: خرجتُ عن الدار. وإن أردتَ الصحبة، قلتَ: خرجتُ بسلاحي...
فقد وَضَحَ بهذا أنه ليس يلزم في كل فعل ألا يتعدى إلا بحرفٍ واحد».
§ ويقول ابن قيِّم الجَوْزِيَّة (ت 751هـ) في كتابه «فوائد الفوائد 2/ 20»:
«الفعل المُعدَّى بالحروف المتعددة، لا بد أن يكون له مع كل حرف معنى زائد على الحرف الآخر. وهذا بحسَب اختلاف معاني الحروف. فإن ظهر اختلاف الحرفين ظهر الفرق، نحو: رغبتُ فيه ورغبتُ عنه، وعَدَلْتُ إليه وعنه، ومِلْتُ إليه وعنه، وسعيتُ إليه وبه (انظر الفقرة 49: سعى إلى / لـِ/ على / في / بـ ). وإن تقاربت معاني الأدوات (يريد الحروف) عَسُرَ الفرق، نحو: قصدتُ إليه وله، وهديتُ إلى كذا ولكذا. وظاهرية النحاة يجعلون أحد الحرفين بمعنى الآخر. وأما فقهاء أهل العربية فلا يرتضون هذه الطريقة، بل يجعلون للفعل معنىً مع الحرف، ومعنىً مع غيره، فينظرون إلى الحرف وما يستدعي من الأفعال، فيُشْربون الفعلَ المتعدي به معناه.
هذه طريقة إمام الصناعة سيبويه، رحمه الله تعالى، وطريقة حُذّاق أصحابه، يُضمِّنون الفعل معنى الفعل، لا يقيمون الحرف مقام الحرف، وهذه قاعدة شريفة جليلة المقدار، تستدعي فطنة ولطافة في الذهن.»
§ وتبيّن كتب النحو ما يطَّرد فيه استعمال كل حرف، أي تبين الاستعمال القياسي المنقاد لحروف الجرّ. ويفصَّل فيها وجوه تصريف هذه الحروف في وجهاتها المطردة. لأن المعاجم لم تؤلَّف لتبسط القول في القياس المنقاد، وإنما قامت لتنصَّ على السماع، بل على ما لا يتأتى الاهتداء إليه بالقياس قبل كل شيء. وقد تشير إلى القياس وتُمثِّل له لاستبانة وجهٍ من الوجوه، أو التنبيه على ما يقع فيه اللْبس أو الخفاء فتكشف عنه.
فإذا نُصّ في المعجم على استعمال حرف مع فعل من الأفعال، أُخذ به للإفصاح عن الدلالة المعينة للفعل باستعماله، ولا يمنع هذا أن يُصَّرف الفعل في وجوه أخرى باستعمال حروف اطرد جريانها قياساً في وجهات محدَّدة. وقد يتفق لك استعمال فعل بحرف سماعي وآخر قياسيّ لقصدين متماثلين، نحو: دعاه إلى الجهاد ودعاه للجهاد. ولكن الأصل أن تَعَاقب حرفين (أو أكثر) على الموضع الواحد لا يعني أنهما بمعنًى واحد، إذ يكون كلٌّ على ما هو قياسه. أي إن استعمال حرف في مقام، لا يمنع من إعمال آخر في مثل موضعه بتقدير آخر!
وإذا كان بعض الأئمة (كما فعل الأخفش والزجّاج والزمخشري وأبو حيّان) قد قال - فيما يخصّ (اللام) و (إلى) - بتَعَاقبهما حيناً على الموضع الواحد، أو ذهب إلى تعاقبهما قياساً (كما فعل الإمام المالقي) فذلك لتقاربهما وتماثلهما في كثير من المواضع. ومع ذلك، ليس صحيحاً أن هذا التعاقب جائز في كل موضع!
فإذا جمعْتَ - في استعمال حروف الجر - القياسَ على ما نصّتْ عليه كتب اللغة عامةً، إلى السماع فيما نصّت عليه المعجمات خاصةً، أي إذا ضمَمْتَ يدك على هذا وذاك، كان لا بد أن تلحظ أن تصريف الفعل بحرف من الحروف، إنما يُفْرده بمعنى لا يؤديه تصريفه بحرفٍ آخر، وإنْ داناه أحياناً، لأن لكل حرفٍ وجهةً اختصّ بها دون سواه.
ثالثاً- رأي ابن جني (ت 392 هـ) والكسائي (ت 189 هـ)
قال ابن جني في (الخصائص)، تعليقاً على قول بعض النحاة بأن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض: «ولسنا ندفع أن يكون ذلك كما قالوا، ولكنا نقول إنه يكون بمعناه في موضع دون موضع، على حسَب الحال الداعية إليه، والمُسَوِّغة له؛ فأمّا في كل موضع وعلى كل حال فلا!».
فإذا قلت مثلاً: «جلستُ للاستراحة»، فهل يصحّ أن تقول في معناه: «جلست إلى الاستراحة؟»، وهل تقول: «سِرْت في البحر»، بدل «سرْت إلى البحر»؟
وهل تقول: «بِعْته في درهم»، بَدَلَ «بعته بدرهم»؟
قال الشاعر الأموي القُحَيْف العُقَيْلي:
إذا رضيَتْ عليَّ بنو قُشَيْر لَعَمْرُ اللهِ أعجبني رضاها
أراد: رضيْت عنه. ووجه ذلك أنها إذا رضيتْ عنه، عطفت عليه، وأقبلت عليه، ولذلك استعمل (على) في موضع (عن).
· قال الكسائي: «لما كان (رضيت) ضدَّ (سَخِطت) عَدَّى رضيتْ بـ (على) حَمْلاً للشيءِ على نقيضه، كما يُحْمل على نظيره». ومن المعلوم أنه يقال: سَخِط عليه: كرِهَهُ وغضب عليه ولم يَرْضَه (المعجم الوسيط).
ويقال: هو قريب مِنا؛ وهو بعيدٌ مِنّا (ويقال: بعيد عنّا)؛ وما أنتم مِنّا ببعيد (يستوي فيه الواحد والجمع).
ويقال: اقترب من؛ وابتعد من/ عن.
· وقال صاحب الكليّات،5/327 (ت 1094 هـ):
«يَطَّرد لفظ (على) بمعنى (عن) بعدة ألفاظ وهي:
خفي عليّ، بَعُدَ عليّ، استحال عليّ، رضي عليّ، غضب عليّ.»
رابعاً- أشهر المعاني القياسية لحروف الجرّ
فيما يلي أشهر هذه المعاني. ويجد القارئ أمثلة عليها في:
كتاب «الكفاف» لمؤلفه يوسف الصيداوي. منشورات دار الفكر بدمشق.
كتاب «النحو الوافي» لمؤلفه عباس حسن. دار المعارف بمصر (الجزء الثاني/431).
- من: ابتداء الغاية المكانية أو الزمانية- التبعيض- بيان الجنس- التعليل والسببية-البَدَلِيَّة- زائدة للتوكيد- الظرفية- المجاوزة- الاستعانة- الاستعلاء.
- إلى: انتهاء الغاية المكانية أو الزمانية- المصاحَبة (بمعنى مع)- بمعنى عند- بمعنى في- مرادفة لِلاَّم- للتبيين.
- عن: المجاوزة- بمعنى بَعْد- بمعنى على- بمعنى من- البدلية- التعليل- بمعنى جانب (إذا سُبقت بـ «مِنْ»: مِنْ عن يميني)- بمعنى الباء- الظرفية.
- على: الاستعلاء- المصاحبة- التعليل- الظرفية (بمعنى في)- الاستدراك- بمعنى فوق: مِنْ على المِنْبر! المجاوزة (بمعنى عن)- بمعنى من.
- الباء: الإلصاق- الاستعانة- السببية والتعليل- التَّعْدية- العِوَض- الظرفية- المصاحَبة (بمعنى مع)- القَسَم- بمعنى بَدَل- الاستعلاء (بمعنى على).
- في: الظرفية المكانية أو الزمانية- السببية- الاستعلاء- المصاحَبة- بمعنى إلى/ من/ الباء.
- اللام: الاختصاص- التقوية- التعليل- انتهاء الغاية- الاستغاثة- التعجب- الصيرورة- الظرفية- التبليغ.
نلاحظ أن الحرف الواحد يمكن أن يؤدي عدة معان مختلفة. وإنّ مَنْ يسمع قول القائل: «كنتُ في الصحراء، ونَفِدَ ما معي من الماء، وكِدْتُ أموت من الظمأ، حتى صادفت بئراً شربت من مائها العذب ما حفظ حياتي التي تعرّضت للخطر من يومين...» سيدرك سريعاً معنى الحرف (من) وقد تكرر في هذا الكلام بمعان لغوية مختلفة:
أولها: بيان الجنس؛ وثانيها: السببية؛ وثالثها: البعضية؛ ورابعها: الابتداء....
وقد أورد الأستاذ الزعبلاوي في كتابه «مسالك القول» المذكور في مصادر هذا البحث، أمثلةً كثيرة مدروسة بعناية وبالتفصيل، تُبيّن حالات يتعاقب فيها حرفان على موضع واحد:
ففي الصفحة 93 أمثلة على تَعاقُب (في) و(على) على الموضع الواحد.
وفي الصفحة 102 أمثلة على تَعاقُب (الباء) و(على) على الموضع الواحد.
وفي الصفحة 107 أمثلة على تَعاقُب (اللام) و(على) على الموضع الواحد.
وفي الصفحة 153 أمثلة على تَعاقُب (عن) و(على) على الموضع الواحد.
وفي الصفحة 120 أمثلة على تَعاقُب (من) و(عن) على الموضع الواحد.
وفي الصفحة 126 أمثلة على تَعاقُب (اللام) و(إلى) و(الباء) على الموضع الواحد.