147- أحكام (إنْ) المكسورة الخفيفة

ترِدُ (إنْ) على أَوْجُهٍ:

1- أوّلها: أن تكون شَرطية، نحو: (إنْ تَدرُسْ تنجحْ). ونلاحظ أن الجواب / الجزاء، أي (تنجح) مُسَبَّبٌ عن الشرط (تدرس). بعبارة أخرى، النجاح مُعلَّقٌ على تحقيق الدراسة.

·    وفي التنْزيل العزيز: )وإنْ تَعوْدوا نَعُدْ(؛ )إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لهم(.

·   ويكثر وقوع (ما) الزائدة بعد (إنْ) الشرطية، فتُدغم فيها النون نطقاً وكتابة؛ كقوله تعالى في الوالدين: )إمّا يَبْلُغنَّ عندك الكِبَرَ أحدهما أو كلاهما فلا تَقُلْ لهما أُفٍّ...( وتسمّى في هذه الصورة: (إنْ) المؤكَّدة بـ (ما).

 

·   ملاحظة: هنالك حالات يُحذف فيها فعلُ الشرط، أو جواب الشرط، أو كلاهما. فمثلاً: يُحذف فعل الشرط بعد (إنْ) المردَفة بـ (لا)، نحو: تكلمْ بخير وإلاّ فاسكُتْ (أي: وإلا تتكلم بخير فاسكت).

2- ثانيها: أن تكون (شَرطية معترضة)(1) ولا يكون (لشَرطها) جواب! وليس المراد بـ (الشرط) هنا حقيقة (التعليق)، لأن التعليق يقتضي تَرتُّبَ أمر على أمر (كما في إن تدرس تنجح).

وفيما يلي بعض الأمثلة:

·   قال أبو العلاء المعرّي:

وإني وإنْ كنتُ الأخيرَ زمانُه          لآتٍ بما لم تستطِعْه الأوائلُ

·   وقال ابن الرومي متحدثاً عن أُنْسِ الخليل:

خليلٌ   أظلُّ   إذا   زارني             كأني  أُنْشأُ   خَلْقاً  جديدا

أراني-وإنْ كثُر المؤنسون-              ما غاب عني، وحيداً فريدا

بلَوْتُ سجاياه  في النائبات             فلم  أَبْلُ  مِنهُنَّ  إلا  حميدا

[(الواو) قبل (إنْ) حالية. ما غاب عني = طَوال غيابه عني.]

·   الحريص- وإنْ كثُر مالُه- بخيل.

·   هذه النسخة- وإنْ لم يسقط منها أوراق وأبواب بتمامها- قد عَرِيَتْ من سمات الأصالة.

·   أُحبُّ ابني وإن عصاني.

·   ذلك دورٌ مضى، وإنْ بقيَتْ آثاره.

 

ملاحظة: (إنْ) بالمعنى المذكور تقول عنها بعض المراجع أنها بمعنى (لو)؛ فقد جاء في معجم (متن اللغة): [وتكون بمعنى (لو)، نحو أَكْرِمْه وإنْ أَهانَكْ].

والمراد بـ (لو) هنا (لو الوصلية) أي حين تكون حرف وصل لتقوية المعنى، ووصْل بعض الكلام ببعض، نحو قوله تعالى:

)... لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قُرْبى( (المائدة 106).

)... وما أنتَ بمُؤمنٍ لنا ولو كنا صادقين( (يوسف 17).

وفيما يلي مزيد من الأمثلة:

جاء في (المعجم الوسيط /بنو):

الابن: ابنُ الابن وإنْ نَزَلْ.

وجاء فيه (لو):

لَظَلَّ صدى صوتي وإنْ كنتُ رِمَّةً         لِصوتِ صدى ليلى يَهِشُّ ويَطْرب

3- ثالثها: أن تكون نافية ً مُهمَلةً بمعنى (ما)، وتدخل:

أ- على الجمل الاسمية، نحو: إنْ سعيدٌ إلا شاعر. )إن الكْافرون إلا في غُرور(.

ب- على الجمل الفعلية، نحو: )إن يقولون إلا كذباً(. و )إن أردنا إلا الحُسْنى(.

4- رابعها: أن تكون نافية تعمل عمل (ليس)، نحو: إن أحدٌ خيراً من أحدٍ إلا بالعافية. أي: إلا بكثرة ضيوفه. (العافية) جمع (العافي) وهو الضيف.

أو: إلا بدفْع المكروه وصَرْف الأذى.

5- خامسها: أن تكون مُخفَّفة من (إنَّ)- فتكون للتوكيد- في هذه الحال تُهمل، أي: لا تعمل، ويؤتى بعدها في الكلام بلامٍ تسمى (اللام الفارقة)، نحو:

إنْ خالدٌ لمجتهدٌ، وإنْ نظنّه لمن الناجحين.

6- سادسها: أن تكون زائدة، وتدخل على الجمل الاسمية والفعلية، نحو:

ما إنْ جاء زهير حتى انصرف.

وقول الشاعر:

فما إنْ طِبُّنا جُبْنٌ ولكن           منايانا ودَوْلَةُ آخرينا

[طِبُّنا= عادتنا]

7- سابعها: أن تكون بمعنى (إذا)، نحو قوله تعالى: )يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إنِ اسْتَحَبّوا الكُفر على الإيمان...( (التوبة 23).

8- ثامنها: أن تكون للتفصيل، فلا تجزم ولا تعمل شيئاً، وإنما تفيد التفصيل، نحو:

- قد قيل ما قيل إنْ(2) صِدقاَ وإنْ كذباً        فما اعتذارك من قولٍ إذا قيلا ؟

- سِرْ مُسْرعاً إنْ راكباً وإنْ ماشياً.

- زهير مُمتدحٌ إنْ حاضراً وإنْ غائباً.

- هذه البضاعة رائجة إن في الداخل وإنْ في الخارج.

وهي ترِد أيضاً في الجمل المكوَّنة من (اسم شرط) متضمِّنٍ معنى حرف الشرط (إنْ) من غير ذكرٍ صريح لهذا الحرف.

[من المعلوم أن أدوات الشرط هي: حرف الشرط (إنْ)، وأسماء الشرط، ومنها: مَن، ما، متى، حيثما.]

فإذا اقتضى الأمر (بدلاً) يفصّل مجمل اسم الشرط (المبدَل منه) ظهر مع البدل حرف الشرط (إنْ) ليوافق المبدلُ المبدلَ منه في تأدية المعنى، نحو:

·   الشرط للعاقل: مَنْ يُجاملْني إنْ صديقٌ وإنْ عَدُوٌّ أجامِلْهُ. الأصل قبل التفصيل: (مَن يجاملْني أجاملْه). فكلمة (صديق) بدل تفصيل من (مَنْ) الشرطية، و(إنْ) للتفصيل.

·   الشرط لغير العاقل: ما تقرأْ إنْ جيداً وإن رديئاً تتأثرْ به نفسُك.

فكلمة (جيداً) بدل من كلمة (ما)، و(إن) للتفصيل.

·   الشرط الدال على الزمان: متى تزُرْني إنْ غداً وإنْ بعد غد أسعدْ بلقائك.

فكلمة (غداً) بدل من (متى)، و(إنْ) للتفصيل.

·   الشرط الدال على المكان: حيثما تجلسْ إنْ فوق الكرسي وإنْ فوق الأريكة تجدْ راحة. فكلمة (فوق) بدل من (حيثما)، و(إنْ) للتفصيل.

 

§   مصادر البحث:

·   (النحو الوافي) لعباس حسن، 4/434.

·   (جامع الدروس العربية) للشيخ مصطفى الغلاييني، 2/193.

·   (الكفاف) ليوسف الصيداوي، 418.

 

 

عودة | فهرس


 

(1)  وقيل إنها (وَصْلِيّة)، وقيل إن معناها (التعميم) لا (التعليق).

(2)  كثيراً ما تُحذف (كان) هي واسمها ويبقى خبرها بعد (إنْ) الشرطية، و(لو) التي للتقليل.

فالأصل هنا: ... إنْ كان المَقُول صدقاً وإن كان كذباً...

              ... إن كنت راكباً وإن كنت ماشياً...  

... إن كان حاضراً وإن كان غائباً...

وفي الحديث: التمِسْ ولو خاتماً من حديد. والتقدير: ولو كان المُلْتَمَسُ (ما تلتمِسُه) خاتماً من حديد.