144- هذه خامس معركة (لا: خامسة معركة!) أو: هذا آخِرُ خَمْسِ معارك
1- عالجتِ الفقرة 106 الأعداد الترتيبية، وهي أسماءٌ يوصف بها؛ وتصاغ من الأعداد المفردة (من اثنين إلى عشرة) على وزن (فاعِل) للمذكر، و(فاعِلة) للمؤنث. أما العدد (واحد) فيقابله الوصف (أَوَّل) للمذكّر، و(أُوْلى) للمؤنث. والعدد الترتيبي يصف ما قَبْله ليدلّ على ترتيبه، وهو يطابق موصوفه من حيث التذكير والتأنيث والتعريف والتنكير، فيقال مثلاً: فصلٌ رابعٌ، قناةٌ ثانية؛ الباب السابع، الطبعة الخامسة.
2- جاء في (معجم الأخطاء الشائعة /86) لمحمد العدناني:
«ويقولون: هذه خامس معركة انتصر فيها جيشنا. والصواب: هذه خامسة معركة؛ لأن العدد الترتيبي يطابق المعدود في التذكير والتأنيث، سواءٌ أكان صفة، أم مضافاً إلى المعدود.»
اعتراض العدناني هو إذن على تذكير كلمة (خامس) المضافة إلى المعدود المفرد المؤنث النكرة: معركة. لكنه لم يُورد شاهداً على كلامه، ولم يذكر مرجعاً يؤيده. وسنبيّن أن كلامه جانَبَ الصواب.
صحيح أنه يقال، مثلاً: (استمعتم إلى ثانية النشرات الإخبارية)، لكن (ثانية) هنا مضافة إلى معدودٍ مؤنثٍ جَمْعٍ ومعرفة!
ومِثْله قول العرب: (رماه بثالثة الأثافي) (جمع الأُثْفِيَّة): أي رماه بداهيةٍ كالجبل!
3- وكان مصطفى صادق الرافعي (توفي سنة 1937) قال قبل العدناني بزمن طويل (وحي القلم 1/114): «قلت: يا أبا محمد، هذا آخِرُ أربع مرات تَغْضب عليك غضب الطلاق.»
وقال في حاشية الصفحة المذكورة: «هذا هو التعبير الصحيح لمثل قول الناس (هذه رابع مرة). ولم يذكر الرافعي أيضاً مرجعاً يؤيد كلامه. وربما تأثر في قوله هذا بما جاء في (لسان العرب) و(القاموس المحيط) و(تاج العروس): «يقال: أتيتُك آخِرَ مرتين وآخِرةَ مرتين: المرة الثانية من المرتين.»
وربما اطّلع كذلك على كلام الصحابي الشهير أبي هريرة، الذي قال لمن أتاه ثلاث مرات في ثلاث لَيالٍ، وهو يَعِدُ في كل مرة أنه لن يعود ثم يعود... قال له:
«هذا آخِر ثلاث مرات إنك تزعم لا تَعُود ثم تعود...» ]انظر الحديث 2311 في صحيح البخاري بشرح القسطلاني.[
فما الرأي في حاشية الرافعي وكلام العدناني؟
4- لم أجد فيما لديّ من كتب النحو شرحاً مفصَّلاً لأحكام (إضافة الصفة إلى موصوفها.»
وقد تَطَوَّل عليَّ الأستاذ الفاضل محمد علي حمد الله فساعَفَني بِطَلِبَتي بأنْ زوّدني بالحُكم العام.
وقبل أن أُورِد ما ذكره لي أقول: جاء في الكلام الفصيح إضافة الوصف المذكر إلى الموصوف المؤنث.
ففي التنْزيل العزيز: )قل يُحْيِيْها الذي أنشأها أوَّل مرة(.
وقال عنترة:
جادتْ له كفّي بعاجِلِ طعنةٍ ورَشَاشِ نافذةٍ كَلَوْن العَنْدم
(العَنْدم: نبات أحمر).
قال الأستاذ الكريم: (الطعنة) اسم مؤنث، فلماذا لم يقل (عاجلة) بتاء تأنيث؟
الجواب: الأصل أن يأتي النعتُ (الوصف / الصفة) بعد مَنْعُوته (موصوفه)، هكذا: بطعنةٍ عاجلةٍ. ولكن لمّا جِيء بالوصف قبل موصوفه سقطتِ النَّعْتِيَّة النحْوية، وسقط معها واجب التَّبَعِيَّة للموصوف جِنساً وعدداً ومحلاًّ؛ وبسقوطها اللفظي سقطت المطابقة الجنسية، فعاد اللفظ إلى التذكير، لأنه الأصل في الأسماء، والتأنيث عارض.
ومثل هذا يقع لاسم التفضيل، وهو وصفٌ مشتق أيضاً، عندما يضاف إلى نكرة، نحو: جادتْ له كفّي بأعجلِ طعنةٍ.
ومن الأدلة على أن التذكير أصلٌ والتأنيث فرعٌ، قولنا: (سَرَّني ما عندك من حِكْمة). ولا نقول: سَرَّتْني، مع أن الحكمة هي المقصودة هنا، ثم جِيءَ بـ (مِن) التَّبْيِيْنِيَّة لتبيِّن (أو لتُميِّز) اسمَ الموصول المْبهَم، وهو هنا (ما) الصالحة لمذكر ومؤنث.
هذا كُلُّه إذا كان المضاف إليه مفرداً نكرة؛ فإن جاء مفرداً معرفة صَحَّ أيضاً، نحو: واثق الخطوة، قوِيُّ العزيمة، هَدَّارُ النَّبْرة. أ هـ.
5- أقول: الكلام السابق هو على إضافة الوصف بوجهٍ عام. فإذا كان الوصف المضاف عدداً ترتيبياً (ثانٍ، ثالث، رابع...) فإنه يضاف مذكَّراً إلى مفرد نكرة (نحو: هذا خامس زلزال، وهذه خامس معركة، ولا يقال: هذه خامسة معركة)؛ ولا يضاف إلى مفرد معرفة، أي لا يقال: هذا خامس الإعصار، وهذه خامس المعركة.
وإذا أضيف إلى جمعٍ معرفة وَجَبتِ المطابقة الجنسية (أي من حيث التذكير والتأنيث) وخرج عن كونه صفةً للمضاف إليه مُقَدَّمةً عليه. يقال: هذا ثاني الفائزين. وهذه خامسة المعارك.
6- أما العدد الترتيبي (أَوَّل) فتنطبق عليه أحكام اسم التفضيل لأن وزنه (أَفْعَل). فإذا أضيف إلى نكرة (مذكر / مؤنث / مفرد / مثنى / جمع) وجب إفراده وتذكيره في كل الأحوال. يقال:
هذا أول قرار؛ هذه أول مرة (ولا يقال: أُوْلى مرة! بل المرة الأولى).
هما / هم أول طالبَيْن / طلاّب من اليمن.
هما / هُنَّ أول طالبتين / طالبات من اليمن.
وإذا أضيف إلى معرفة خرج عن كونه صفةً للمضاف إليه مُقدَّمةً عليه. ونُميِّز هنا حالتين:
أ-المعرفة مفردة، نحو: أول الشهر / الفصل؛ أول السنة / الدراسة. فكلمة (أول) هنا لا يفيد الترتيب لأن المعنى هو: بداية الشهر / الفصل / السنة / الدراسة...
ب – المعرفة جمع، نحو: هو أول التلاميذ؛ هي أول / أُوْلى الطالبات؛ ونحو: هم أول / أوائل الطلاب؛ هُنَّ أول / أُوْلَيَات الطالبات.
أي يجوز هنا إفراد المضاف وتذكيره، ويجوز مطابقته لِما قَبْله.
ملاحظة: (الآخِر) نقيض المتقدّم. وتستعمل كلمة (آخِر) للإشارة إلى ما يكون ترتيبه في النهاية، فتضاف إلى المذكر والمؤنث والمفرد والجمع. يقال:
هذا آخِر امتحان. هذا آخِر المدعُوِّين، تلك آخِر مرة رأيته فيها. هذه العبارة هي آخِر كلمات خطبته...
7- وإليك أقوالاً مقتبسة من كلام بعض أئمة القرون الهجرية السابع والتاسع والثاني عشر والثالث عشر.
· جاء في (صُبح الأعشى في صناعة الإنشا 3/32) للقلقشندي (821 هـ): «قال ابن عبد السلام (660 هـ): ومِساحة رأس السِّيْن من أول سِنٍّ منها إلى ثالث سِنٍّ كثلثي أَلِفٍ.» ( من المعلوم أن السِّنَّ مؤنثة).
· وجاء فيه (3/493): «ثم وَلِيَها عنه أبو منصور ثالث مرة في السنة المذكورة.»
· وجاء في مقدمة (فتح الباري 1/107) لإمام ابن حجر العسقلاني (852 هـ): «قوله (حقة) هي التي دخلتْ في رابع سنة من الإبل. قيل سُمِّيت بذلك لأنها...»
· وجاء في (فتح الباري 3/27): «فقد صرّح البخاري في خامس ترجمة من أبواب التهجّد بخلافِهِ...»
· وجاء فيه ( 3/319): «وابن اللبون الذي دخل في ثالث سنة فصارت أُمُّه لبوناً بوضع الحمل...»
· وجاء في (لسان الميزان 5/242) لابن حجر العسقلاني: «وهو في رابع سنة.»
· وجاء في (تهذيب التهذيب 3/115): «وحكى البارودي أنه أَسْلم سادس سنة...»
· وجاء في (شرح الزرقاني 2/463) للإمام الزرقاني (1122 هـ): «ولو لم يَدَعْ لهم ثالث مسألة ما سألوه.»
· وجاء في (نيل الأوطار 4/366) للإمام الشوكاني (1255 هـ): «الثامن والثلاثون: أول ليلة أو تاسع ليلة أو سابع عشرة أو إحدى وعشرين أو آخِر ليلة.»
· وجاء في (التبيان، شرح بديعة البيان) لابن ناصر الدين (وهو من رجال القرن التاسع الهجري) وهو يترجم للإمام البرزالي: «وفي خامس حِجَّة حَجَّها مُتْهِماً مات.» (مُتْهِماً: أي قاصداً الطريق السهلة البحرية لِتِهامة.)
8- الخلاصة:
يستبين بما سبق صحة التراكيب الشائعة الاستعمال الآتية:
لكَ منّي عاطرُ التحية / خالص المودّة / عميق المحبة...
لمسْتُ منه صادق الهمّة / عظيم المَسَرَّة / طِيْبَ النّية...
تَقَبَّلَ اللهُ صالحَ الأعمال ( دُعاء! ).